تابعنا

في تعز: 100 ألف ريال لا تكفي لكسوة طفلين.. "سياط الغلاء" وجبايات النقاط تلتهم بهجة العيد

في تعز: 100 ألف ريال لا تكفي لكسوة طفلين.. "سياط الغلاء" وجبايات النقاط تلتهم بهجة العيد

تعز : لم يعد سكان محافظة تعز يسألون بعضهم البعض عن حجم أجورهم، بل عن عدد الأيام التي يستطيعون فيها الصمود قبل أن تبتلع الأسعار المتوحشة مداخليهم الشحيحة. في هذه المدينة المحاصرة، لم يعد الغلاء مجرد أزمة معيشية عابرة، بل غدا واقعاً يومياً قاهراً يعيد تشكيل تفاصيل الحياة التي يرسم الحرمان ملامحها، خصوصاً مع حلول مواسم الأعياد.

وشهدت الأسابيع الأخيرة قفزات جنونية في أسعار السلع والمستلزمات العيدية، ما أجبر عائلات كثيرة على التراجع عن تأمين احتياجات أطفالها، في وقت تقف فيه السلطات المحلية عاجزة، مبررة الأزمة بتبعات الحصار الداخلي والتوترات الإقليمية والدولية.

مفارقة الأسعار: ريف تعز ومدينتها يشتعلان مقارنة بالمحافظات المجاورة

يشكو أبناء تعز من قفزات غير مبررة في أسعار الملابس، سواء في أسواق المدينة المكتظة أو في الأرياف والبلدات المترامية على أطرافها، مسجلةً أرقاماً فلكية تتجاوز بكثير الأسعار السائدة في المحافظات المجاورة الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية.

وفي المقابل، يسوق الجانب الرسمي مبرراته؛ إذ يزعم مدير عام مكتب الصناعة والتجارة في تعز، عبد الرحمن القليعة، أن أسعار السلع الضرورية مستقرة بفعل الرقابة الصارمة، نافياً وجود فوارق سعرية بين تعز والمحافظات الأخرى، بل يراها "أفضل" بالنظر إلى الوضع الاستثنائي للمحافظة جراء الحصار الحوثي، ووعورة الطرق البديلة، وارتفاع كلفة النقل والتأمين.

ويربط القليعة جزءاً من الأزمة بالامتدادات الإقليمية، مشيراً إلى أن تبعات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، انعكست على تكاليف الوقود والشحن نتيجة توقف الملاحة جزئياً في مضيق هرمز وندرة تدفق السلع. كما اعتبر أن نزوح كبار التجار والمستثمرين من تعز، يقابله ضغط استهلاكي ضخم ناتج عن الكثافة السكانية وعودة آلاف المغتربين، مما شكل عبئاً تموينياً كبيراً على المدينة.

العملة تتحسن والأسعار ثابتة.. "عدن" ملاذ التسوق الأخير

على الرغم من التحسن الملحوظ الذي شهدته العملة المحلية منذ صيف العام الماضي، إلا أن هذا التعافي لم ينعكس على القوة الشرائية للمواطن، وظلت أسعار الملابس – لا سيما ملابس الأطفال – عصية على التراجع، تحت وطأة تكاليف التشغيل الباهظة والجبايات المستمرة وأزمة الطاقة.

"اضطررت لتحويل 100 ألف ريال يمني إلى شقيقتي المقيمة في العاصمة المؤقتة عدن لشراء كسوة العيد لطفليّ (ولد وبنت)، وإرسالها عبر سيارات الأجرة، هرباً من الفوارق السعرية الصادمة بين المدينتين."

— أماني محمد، موظفة عمومية في تعز

وتؤكد أماني أن هذا المبلغ (100 ألف ريال) عجز تماماً عن تغطية كلفة الكسوة في أسواق تعز، حيث صُدمت بعد جولات مضنية بأنها بحاجة إلى ما يعادل 100 دولار أو أكثر لكسوة طفلين فقط، وهو ما يفوق طاقة الموظف الحكومي.

هذا الفارق السعري الكبير دفع عشرات العائلات في المناطق الجنوبية لتعز إلى اعتماد استراتيجية قسرية، تتمثل في السفر إلى عدن – حيث تصل البضائع أولاً عبر مينائها – للتسوق والعودة في اليوم ذاته، تفادياً للأسعار المضاعفة في أسواق تعز التي تصلها البضائع عبر طرق جبلية ملتفة ومعقدة يفرضها الحصار الحوثي.

كارتيل الجبايات: تحدي التوجيهات الرئاسية وسلطة "المزاج الأمني"

في الوقت الذي نجحت فيه المحافظات المجاورة في تطبيق التوجيهات الرئاسية والحكومية الصارمة بإيقاف الجبايات غير القانونية على الطرقات، بقيت هذه القرارات في تعز "حبراً على ورق".

وفي شهادة لصحيفة «الشرق الأوسط»، أقرّ معاذ محمد (تاجر ملابس يملك محلات في عدة محافظات)، بوجود فوارق سعرية هائلة بين عدن وتعز، محركها الأساسي هو "إتاوات النقاط"؛ حيث تفرض النقاط العسكرية المنتشرة مبالغ متفاوتة على كل شاحنة، مما يضطر التجار إلى تحميل هذه المبالغ على القيمة النهائية للسلعة المستهلكة.

وفي السياق ذاته، اعترف مصدر أمني في مدينة التربة (جنوب تعز) باستمرار هذه الجبايات غير المشروعة رغم التوجيهات الرئاسية، ملمحاً إلى تعقيدات بنيوية تمنع إنهاء هذه الظاهرة.

وأكد المصدر – الذي فضّل عدم كشف هويته – أن تجفيف منابع هذا الفساد يتطلب:

1. تنسيقاً حقيقياً وصادقاً بين مختلف السلطات الأمنية والتنفيذية.

2. تحسين وانتظام رواتب أفراد الأمن والجيش في النقاط لمنع الابتزاز.

3. توحيد القرار العسكري والأمني تحت مظلة واحدة في كافة المحافظات المحررة.

وفي بيئة يحدد فيها "مزاج" الفرد العسكري سعر السلعة، تظل العائلات في تعز الضحية الوحيدة لمنظومة الفساد، لتتحول فرحة العيد لديهم من مناسبة دينية واجتماعية، إلى عبء نفسي ثقيل يكرس سياسة الحرمان.