تابعنا

في اليمن | جيل "الخديعة الكبرى".. شباب اليمن ينضجون في متارس الحوثي ويشيخون بلا أحلام أو وظائف

في اليمن | جيل "الخديعة الكبرى".. شباب اليمن ينضجون في متارس الحوثي ويشيخون بلا أحلام أو وظائف

تقرير إنساني واستقصائي موسع

في مدن وقرى شمال اليمن القابعة تحت وطأة قبضة مليشيا الحوثي، ينمو وعي مشوه لجيل كامل وُلد وترعرع في ظروف انقلاب دخل عامه الثاني عشر. هذا الجيل لم يختبر في حياته معنى "الدولة" أو الاستقرار؛ إذ غدت تفاصيل الحرب العبثية وأدبياتها الطائفية هي الإطار الجغرافي والنفسي الوحيد الذي تشكلت داخله طفولتهم، ومراهقتهم، وبدايات نضجهم المترنح.

بالنسبة لملايين الأطفال والشباب في صنعاء، وإب، وذمار، وعمران، لم تعد الحرب حدثاً طارئاً أو استثنائياً في التلفاز، بل هي "الهواء اليومي" الذي يستنشقونه، والعدسة الوحيدة التي يرقبون من خلالها العالم.

ذكريات مغسولة بالبارود وحكايات "اليمن القديم"

على النقيض من أقرانهم في أصقاع الأرض، لا تحتفظ ذاكرة شباب هذا الجيل بصور الرحلات المدرسية، أو الأعياد العائلية السعيدة، بل إن شريط طفولتهم محشو بأصوات القصف الارتدادي، وصور الجنائز اليومية، وشعارات التحشيد الطائفي، وأزمات الوقود والغاز المنزلي.

وعندما يجلس هؤلاء الشباب مع آبائهم، يستمعون إلى أحاديث "اليمن قبل عام 2014" بكثير من الذهول والتشكيك؛ فحكايات الاستقرار، والرواتب المنتظمة، والسفر المتاح، والخدمات العامة، تبدو في وعي جيل الانقلاب كأساطير سريالية تنتمي إلى كوكب آخر يصعب تخيله أو تصديقه.

قصص من واقع التغريب والحرمان

يعيش آلاف الشباب في مناطق سيطرة المليشيا تحت وطأة سحق مادي ونفسي غير مسبوق، مجبرين على دفع أثمان حروب لم يختاروها:

1. مروان (22 عاماً - صنعاء): سقف طموحنا "بقاء على قيد الحياة"

مروان، طالب جامعي يدرس تحت اسم مستعار خوفاً من الملاحقة الأمنية، يروي الفجوة الجيلية بمرارة قائلاً: "عندما يتحدث والدي عن صنعاء القديمة ووظيفته السابقة، أشعر أنه يتحدث عن بلد في قارة أخرى. لقد اضطررت لتجميد دراستي الجامعية مراراً، والعمل حمالاً وفي مهن شاقة لتأمين لقمة العيش لأسرتي بعد انقطاع الرواتب. نحن جيل بلا طموحات كبرى؛ أقصى أحلامنا اليوم ليس الثراء أو السفر، بل العثور على عمل يومي مستقر يضمن لنا ألا نموت جوعاً".

2. خريج الهندسة (جامعة إب): شهادات معلقة على جدران البطالة

في جامعة إب، يصف خريج حديث من كلية الهندسة مشاعره بالسوداوية: "قضيت سنوات أكافح لتوفير قيمة الملازم والمواصلات في ظل انقطاع الكهرباء وغياب المعامل المؤهلة. اليوم، أحمل شهادة هندسة لا تساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به في سوق محلي مغلق، لا استثمارات فيه ولا وظائف، سوى وظائف المشرفين الحوثيين التابعين للسلالة. الخيارات أمامي تنحصر في ثلاثة: العمل في بسطة رصيف، أو انتظار معجزة للهجرة، أو الوقوع في مصيدة الاستقطاب والتجنيد للجبهات".

3. أسماء (17 عاماً - ذمار): المراهقة خلف أسوار الأزمة

تلخص أسماء، الطالبة في الثانوية العامة بـ ذمار، مأساة زميلاتها: "منذ أن كنت في الخامسة من عمري وأنا لا أسمع في طابور الصباح أو في المنزل سوى تبريرات الأزمات الاقتصادية والسياسية. كبرنا قبل أواننا، ومضت مراهقتنا ونحن نحمل هموم توفير المياه وشراء أسطوانة الغاز المنزلي. نخشى أن نتخرج لندخل في نفق مظلم آخر لا نهاية له".

تجريف التعليم وسوق العمل المفقود

لم تكتفِ سنوات الانقلاب بتدمير البنية التحتية، بل نفذت المليشيا الحوثية عملية تدمير ممنهج لقطاع التعليم وسوق العمل عبر الآليات التالية:

تطييف المناهج: حشو عقول الطلاب بأفكار غيبية وصراعات تاريخية، مما أدى إلى هبوط مريع في جودة المخرجات التعليمية وضغف التأهيل الأكاديمي.

إقصاء الكفاءات: تسريح الأكاديميين والمعلمين المؤهلين واستبدالهم بعناصر عقائدية غير مؤهلة.

تصفير الوظائف: انعدام تام لفرص التوظيف الحكومي، وانكماش القطاع الخاص جراء الجبايات والابتزاز، مما جعل الشهادة الجامعية مجرد وثيقة شكلية لا تفتح أي أفق مهني.

الأبعاد النفسية والاجتماعية: مجتمع ممزق وقلق مزمن

يرى باحثون ومختصون في علم الاجتماع أن هذا الجيل يواجه خطراً بنيوياً يهدد مستقبله ومستقبل اليمن ككل:

 

ورغم أن هذه الظروف القاسية خلقت لدى بعض الشباب قدرة مذهلة على "التكيف القسري" واجتراح معجزات للبقاء، إلا أن الأثر النفسي الغائر المتمثل في الإحباط والشعور بالدونية مقارنة بشباب العالم، يظل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في وجه المليشيا في أي لحظة.

أحلام بديهية تتحول إلى أمنيات مستحيلة

يتشابه شباب المحافظات الشمالية (إب، وعمران، وحجة، وصنعاء) في صياغة أحلامهم؛ فهم لا يطالبون بالرفاهية أو التكنولوجيا الفائقة، بل يتوقون لأشياء تُصنف في المجتمعات المستقرة كـ "حقوق بديهية": تيار كهربائي مستمر، ومياه نقية، ووظيفة آمنة براتب مجزٍ، ومساحة للتعبير دون خوف من الاعتقال أو الملاحقة بتهمة العمالة.

خلاصة واضحة:

يختزل الشاب حميد (من ريف إب) لسان حال هذا الجيل الضائع بقوله: "نريد بلداً طبيعياً فقط". إن السلام بالنسبة لهذا الجيل الذي لم يختبره يوماً، ليس مجرد ترف أو ملف للمفاوضات السياسية في الفنادق؛ إنه شرط الوجود الإنساني الأساسي، والفرصة التاريخية الوحيدة المتبقية لانتشال ما يمكن إنقاذه من طاقات وأحلام وأعمار جيل كامل، جرى السطو على ماضيه وحاضره بقوة السلاح وحيل الخرافة.