تابعنا

(زلزال مناخي) يهدد الكوكب.. ظاهرة (النينيو) تعود بقوة مرعبة وسط استنفار أممي ومخاوف تلف المنطقة العربية

(زلزال مناخي) يهدد الكوكب.. ظاهرة (النينيو) تعود بقوة مرعبة وسط استنفار أممي ومخاوف تلف المنطقة العربية

غرفة الأخبار | تقرير علمي واستراتيجي موسع

أطلقت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) التابعة للأمم المتحدة، تحذيراً هو الأشد لهجة منذ سنوات، معلنةً عن مؤشرات قطعية بنسبة تتراوح بين 80% إلى 90% تفيد بعودة الارتداد العنيف لظاهرة "النينيو" (El Niño) المناخية، وبشدة تتأرجح بين المتوسطة والقصوى خلال الأشهر المقبلة. هذا الإعلان يضع النظام البيئي العالمي على حافة قفزات حرارية قياسية، وينذر بموجات تطرف جوي حادة، ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى إعلان حالة "الإنذار الأحمر الملح"، داعياً قادة العالم إلى مغادرة مربع التردد والتحول الفوري من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة كطوق نجاة أخير.

من جانبها، شددت الأمينة العامة للمنظمة، سيليسي ساولو، على ضرورة الاستعداد الفوري لمواجهة حزمة من موجات الحر الجافة والفيضانات العارمة المرتقبة على اليابسة وفي المحيطات، مذكرةً بأن النسخة الأخيرة من هذه الظاهرة أسهمت بشكل مباشر في جعل عام 2024 العام الأشد حرارة ومأساوية في التاريخ البشري المدون.

ديناميكية الموت الكامن: كيف تولد "النينيو"؟

تعرّف "النينيو" في أدبيات علوم البحار والمناخ بأنها اضطراب ميكانيكي ودوري غير طبيعي، يتسم بارتفاع حاد في درجات حرارة سطح المياه في وسط وشرق المحيط الهادي الاستوائي، نتيجة اختلال في الارتباط العضوي بين تيارات المحيط والغلاف الجوي. وتمتد مفاعيل هذه الدورة الكارثية عادة بين 9 إلى 12 شهراً.

وفي رصد ميداني مرعب، التقطت الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" (NASA) وشريكاتها الأوروبية، صوراً حرارية تظهر موجات مياه دافئة يبلغ عرضها مئات الأميال تتدفق نحو الشرق، مسببةً انتفاخاً هيدروليكياً وارتفاعاً في مستوى سطح البحر قبالة سواحل أمريكا الجنوبية. هذا التطور المتسارع، الذي بدأ في التخلق، يشير إلى أن الكوكب مقبل على إعادة تشكيل خطيرة لمسارات التيارات النفاثة، ما يقلب أنماط الطقس الإقليمية رأساً على عقب وفق المعادلة الجغرافية التالية:

 

تشريح المناخ: التوقيت والقدرة على الرصد

وفي قراءة متخصصة لأبعاد الظاهرة، يوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، أن النينيو يبدأ دورته الحرارية عقب انقضاء فصل الربيع مباشرة (خلال شهري مايو ويونيو)، مستمراً في التصاعد لعدة أشهر متلاحقة.

وأشار الدكتور قطب إلى أنه على الرغم من كون "النينيو" ظاهرة عشوائية غير منتظمة يصعب تحديد ذروتها بدقة متناهية، إلا أن بصمتها الحرارية تمتد لتكتسح الغلاف الجوي العالمي بأسره، لاسيما في النطاقات المدارية. وأكد أن تنبؤات الرصد المبكر الحالية تمثل "سلاحاً استراتيجياً" للدول لحماية قطاعاتها الحيوية—مثل الزراعة والأمن المائي—في عالم يئن أصلاً تحت وطأة الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ما مصير العالم العربي؟ قراءة في سيناريوهات التأثير

أمام حالة الذعر التي اجتاحت الشارع العربي، سارع خبراء المناخ والبحار إلى صياغة قراءة مطمئنة نسبياً، مستبعدين وجود خطر تدميري مباشر على الجغرافيا العربية، مقسمين التأثير إلى مسارات علمية دقيقة:

1. التأثير غير المباشر عبر المحيطات

أوضح الدكتور مصطفى عصام، المدرس بقسم الفلك والأرصاد الجوية بجامعة القاهرة، أن الدراسات المناخية العالمية تؤكد انعدام التأثير الميكانيكي المباشر للنينيو على أغلب الدول العربية. وبين أن التأثر—إن وجد—سيكون استجابة ثانوية وغير مباشرة ناجمة عن التغيرات الحرارية في حوضي المحيط الهندي والبحر الأطلسي، جازماً بأن موجات الحر الخانقة التي تشهدها المنطقة حالياً هي ظواهر صيفية طبيعية مرتبطة بالمرتفعات المدارية الموسمية المعتادة (مثل منخفض الهند الموسمي).

2. تذبذب شمال الأطلسي هو اللاعب الأقوى

وفي السياق ذاته، أشار الدكتور محمد السيد شلتوت، أستاذ علوم البحار الفيزيائية بجامعة الإسكندرية، إلى أن طقس العالم العربي يخضع لسيطرة ظاهرة مناخية أخرى تُعرف بـ "تذبذب شمال الأطلسي" (NAO)، والناتجة عن تباين قيم الضغط الجوي بين "مرتفع الآزور" و"منخفض آيسلندا"، وهي المحرك الأساسي لتوجيه الرياح والتيارات الهوائية نحو المنطقة العربية.

وأضاف الدكتور شلتوت أن ارتدادات "النينيو" ستكون باهتة وأقل وضوحاً في منطقتنا، وتقتصر على تغييرات طفيفة في ديناميكية حركة الرياح السطحية ومسارات العواصف، والتي قد تنعكس على المياه السطحية للبحر الأحمر وبحر العرب.

توصيات استراتيجية للحكومات العربية

روشتة إنقاذ استباقية: اختتم الخبراء التقرير بتوجيه نصيحة عاجلة وشديدة الأهمية للحكومات والجهات المعنية في العالم العربي، مؤكدين أن غياب التأثير المباشر لا يعني الوقوع في فخ الاسترخاء. وطالبوا بضرورة:

- تحديث البنية التحتية: تعزيز وتطوير منظومات الرصد والتنبؤ الجوي المبكر.

- تحصين القطاعات السيادية: دعم قطاعات الطاقة (لمواجهة الأحمال الفائقة)، والصحة العامة، وإدارة موارد المياه، والزراعة الذكية.

- التكامل الإقليمي: تسريع وتيرة تبادل البيانات المناخية مع الشبكات الدولية والإقليمية للتعامل الفوري مع أي تقلبات طارئة وفجائية قد تفرزها الفوضى المناخية العالمية.