تجريف اموال الزكاة لصالح التوريث السلالي| أحياء في مضاجع الموتى.. أم وطفلاها يفترشون القبور في إب بينما يلتهم الحوثيون المليارات في كنز (الولاية
إب | تحقيق إنساني واستقصائي موسع
في مشهد تراجيدي يختزل ذروة السقوط الأخلاقي والإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية، تحولت مقابر الموتى في مدينة إب (وسط اليمن) إلى الملاذ الأخير والمأوى الإجباري لأم يمنية مطحونة وطفليها الصغار. هذه الفاجعة تزامنت—في مفارقة تدمي القلوب—مع إشعال المليشيا الحوثية لسماء المدينة بالألعاب النارية الصاخبة، وضخها لمليارات الريالات من أموال الجبايات والزكاة لتمويل مهرجاناتها الطائفية بمناسبة ما يسمى "يوم الولاية".
وبينما كانت المليشيا تعيد إنتاج خرافات الحق الإلهي في الحكم وتوزع ميزانيات البذخ على المشرفين، كانت هذه الأسرة المنكوبة تلتحف تراب المقابر، وتبحث عن أمان مفقود بين الشواهد، بعد أن ضاقت عليها الأرض بما رحبت.
توثيق الجريمة: مراهنة على البقاء داخل أسوار الموت
فجّر الناشط الحقوقي، مختار ملهي، هذه القضية الإنسانية المروعة عبر مقطع فيديو استقصائي وثّق فيه بالصوت والصورة المأساة الحية للأم وطفليها داخل إحدى المقابر القريبة من المؤسسة الاقتصادية في "الحي المركزي" بقلب مدينة إب.
وتشير التفاصيل الصادمة إلى أن هذه المرأة، التي تكالب عليها الدهر بفقدان زوجها ووالديها، وجدت نفسها وحيدة بلا سند في مواجهة غول الغلاء والانهيار الاقتصادي. ومع عجزها التام عن سداد إيجار الغرفة المتهالكة التي كانت تؤويها، قام مالك العقار بطردها إلى الشارع دون رحمة. ومنذ ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، لم تجد هذه الأم مكاناً يحمي طفليها من حر الشمس وظلام الليل سوى مقبرة مجاورة، لتجاور جثث الموتى بحثاً عن "رحمة" عجزت عن إيجادها لدى سلطات الأمر الواقع.
مفارقة الـ "بترودولار الطائفي" مقابل كرامة مسحوقة
يعكس المشهد في محافظة إب طبقية فجة وفجوة مرعبة بين حياة البؤس التي يعيشها المواطنون، وميزانيات الترف العقائدي للمليشيا الحوثية:
تجريف أموال "الزكاة" لصالح التوريث السلالي
أثارت هذه الواقعة موجة غضب وتنديد واسعة من قِبل الأوساط الحقوقية والناشطين، الذين وجهوا أصابع الاتهام المباشر إلى ما تسمى "الهيئة العامة للزكاة" التابعة للحوثيين. واستنكر الناشطون قيام هذه الهيئة بنهب المليارات شهرياً من جيوب التجار والمواطنين بقوة السلاح تحت لافتة "مصارف الزكاة والفقراء"، في حين يتم تحويل هذه الأموال الضخمة بالكامل لدعم لوجستيات التعبئة الطائفية، وإثراء قيادات الصف الأول للجماعة، وشراء الولاءات القبلية.
صرخة ناشط: "كيف يمكن لهيئة تدعي تطبيق الشريعة أن تترك امرأة وطفليها ينامون فوق تراب المقبرة على بعد أمتار من مقراتها الرسمية، بينما تنفق مئات الملايين على اليافطات الخضراء والخطب والمدائح السلالية؟ إنها النذالة السياسية في أبشع صورها".
المقابر كـ "ملاذات أخيرة": ظاهرة تزحف في صمت
يرى باحثون ومراقبون للشأن الاجتماعي في اليمن أن قصة هذه الأم في إب ليست حالة فردية أو معزولة، بل هي العتبة الأولى لظاهرة مرعبة بدأت تزحف في مختلف المدن اليمنية الواقعة تحت سيطرة الانقلاب. فمع استمرار قطع الرواتب لسنوات، وفرض الجبايات القسرية، وتدمير قطاع الأعمال، باتت آلاف الأسر عاجزة تماماً عن تأمين سقف سكن برأس مال بسيط.
وتتحول الأماكن المهجورة، والخرابات، والمقابر تدريجياً إلى قِبلة أخيرة للعائلات المشردة؛ إذ يفرون من بطش مؤجري المنازل وصمت المجتمع الدولي ليختبئوا بين الأموات، بعيداً عن صخب الاحتفالات والشعارات البراقة التي ترفعها الجماعة الحوثية لتسويق وهم الاستقرار والاستجابة لفقراء المسلمين.
خلاصة التقرير:
إن مشهد طفلي إب وهما ينامان بين شواهد القبور، بينما تضاء السماء فوق رؤوسهما بالألعاب النارية الحوثية المحتفلة بالولاية، يمثل الإدانة الأكبر لمشروع الكهنوت الحوثي. إنه إثبات قطعي على أن هذه المليشيا لم تأتِ لتبني دولة أو لترفع الظلم عن المواطنين، بل جاءت لتمتص مدخراتهم وتحول الأحياء إلى موتى والمقابر إلى بيوت، مستظلةً بخرافة دينية تجعل من تجويع الشعب وإفقاره مبرراً شرعياً لبقاء السلالة متمترسة خلف المليارات والقصور.

