بلا رواتب وتحت رحمة (الطرد القسري).. شبح التشرد يلتهم السلم الاجتماعي في صنعاء | مآسي خلف الأبواب المغلقة
صنعاء: لم تعد لقمة العيش المريرة أو حبة الدواء البعيدة هما الهوس الوحيد الذي يطارد المواطن اليمني في مناطق سيطرة جماعة الحوثي؛ إذ برز كابوس أكثر رعباً بات يهدد الكيان الأساسي لآلاف العائلات: إنه عقد الإيجار. فمع قفزات التدهور الاقتصادي المتلاحقة، وموت سوق العمل الكلي، واستمرار مصادرة مرتبات موظفي الدولة للسنة العاشرة، تحولت البيوت المستأجرة من ملاذات آمنة إلى زنازين موقوتة، تدفع بأسر بكاملها نحو رصيف التشرد.
وتؤكد تقارير حقوقية وميدانية متطابقة من قلب العاصمة صنعاء، أن لغة "الإخلاء القسري" باتت هي الحاكم الفعلي للعلاقة بين ملاك العقارات والمستأجرين. الأرقام ترتفع بصورة جنونية، والسبب كرات ثلج متدحرجة من الإيجارات المتراكمة التي عجزت العائلات عن الوفاء بها، نتيجة تآكل مدخراتها وتبخر قدرتها الشرائية وسط طوفان الجبايات والأزمات المفتعلة.
ويرى باحثون اجتماعيون أن أزمة السكن في صنعاء تجاوزت تصنيفها التقليدي كـ "معضلة اقتصادية" عابرة، لتغدو قنبلة موقوتة تعصف بالاستقرار المجتمعي؛ فالمواطن هناك بات عالقاً بين فكي كماشة لا ترحم: إما الاستدانة والغرق في ديون لا تنتهي، أو مواجهة الطرد الحتمي إلى الرصيف.
مآسي خلف الأبواب المغلقة.. "شعوب" نموذجاً
وفي الأزقة الضيقة لمديرية "شعوب" شرقي العاصمة، تعيش "أم محمد" أياماً خانقة وهي تراقب العداد التنازلي للمهلة الأخيرة التي منحها إياها مالك الشقة. تروي المرأة بمرارة كيف فقد زوجها مصدر رزقه اليومي قبل أشهر، وكيف تحولت محاولاتهم المستمرة لتدبير بدلات السكن إلى ركض خلف السراب، لينتهي بهم المطاف على قائمة الانتظار أمام مصير مجهول.
هذه القصة ليست مجرد حالة فردية، بل هي مرآة لواقع آلاف الأسر التي تعيش السيناريو ذاته، في وقت يزداد فيه الضغط من قِبل ملاك العقارات. هؤلاء الملاك—في كثير من الأحيان—ليسوا أمراء حرب بل مواطنون يواجهون بدورهم طواحين الغلاء وتراجع قيمة العملة، مما يجعلهم أقل قدرة على منح المستأجرين مهلاً إضافية، فتتحول الأزمة إلى صراع بقاء بين ضحيتين.
يقول سعيد، وهو معلم حكومي في صنعاء: "لم أذق طعم الراتب المنتظم منذ سنوات. بعت كل ما نملك؛ أثاث المنزل، ذهب زوجتي، وحتى أسطوانة الغاز الاحتياطية لتغطية العيش الأساسي. اليوم، يطالبني المؤجر بدفع متأخرات ثمانية أشهر أو رمي أثاثي إلى الشارع، وأنا لا أملك ريالاً واحداً ولا أدري أين أذهب بأطفالي".
ولا يختلف الحال كثيراً لدى عبد الملك، وهو سائق سيارة أجرة؛ إذ يشير إلى أن ما يجنيه طوال النهار تحت أشعة الشمس وبالكاد يغطي قيمة كيس دقيق وعلبة زيت، بينما تتراكم عليه إيجارات الشهور، مؤكداً أن مالك المنزل نفد صبره ولم يعد يقبل أي وعود شفهية جديدة.
انهيار شبكات الأمان وتوحش النزاعات
لقد أسهمت سنوات الصراع المستمر في تجفيف كافة منابع الدخل وإصابة الحركة التجارية بالشلل؛ مما أدى إلى استنزاف كامل للمدخرات الشخصية للمواطنين. ومع الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية والوقود، أصبح بند "السكن" يمثل العبء المالي الأضخم الذي يقصم ظهور العائلات في المدن الكبرى التي يعتمد 80% من سكانها على الاستئجار.
وما زاد الطين بلة، هو قرار المنظمات الدولية بتقليص المساعدات الإنسانية الموجهة لليمن جراء نقص التمويل، وهي المساعدات التي كانت تسند جزئياً الأسر الأشد فقراً وتتيح لها توفير هوامش مالية لدفع الإيجارات.
هذا الانسداد الشامل انعكس فوراً على ردهات المحاكم وأقسام الشرطة في صنعاء، والتي تشهد وفق مصادر مطلعة تدفقاً قياسياً غير مسبوق لقضايا النزاعات العقارية والمشادات بين الملاك والمستأجرين. وتشير المصادر إلى أن معظم هذه القضايا ينتهي بصدور أحكام إخلاء جائرة بحق عائلات تعتمد على عائلين يمارسون أعمالاً يومية تلاشت تماماً.
تحذيرات أممية.. نازحون بلا مأوى ثانٍ
مأساة السكن لم تتوقف عند السكان الأصليين للعاصمة، بل امتدت لتبطش بالفئة الأضعف: النازحين. إذ تحذر تقارير أممية حديثة من كارثة إنسانية وشيكة، مؤكدة أن مئات الآلاف من اليمنيين باتوا مهددين بفقدان السقف الذي يظلهم بشكل كامل.
ووفقاً للتقديرات الأخيرة، فإن نحو 308 آلاف نازح في اليمن يواجهون حالياً خطراً محدقاً بالإخلاء القسري والطرد من الشقق والدكاكين التي استأجروها، جراء انعدام فرص العمل وفقدان الدخل كلياً.
ويخشى ناشطون في المجال الإنساني أن يؤدي توسع رقعة الإخلاءات إلى خلق موجات نزوح داخلي جديدة، لكن هذه المرة نحو "العراء المطلق"؛ فالأسر المطرودة لا تمتلك مساكن بديلة ولا أرضاً تعود إليها، مما يعني تحول أرصفة صنعاء وجولاتها إلى مخيمات مفتوحة للمشردين، مع ما يحمله ذلك من تداعيات كارثية على النساء والأطفال وكبار السن، الذين يمثلون الحلقات الأضعف في دورت الرعب والاضطهاد الاقتصادي الحوثي.

