تابعنا

في اليمن | رواتب مقطوعة ومدارس مدمرة: كيف يلتهم قطار "الأدلجة" الحوثية مستقبل التعليم عبر بوابة "التقويم الهجري"؟

في اليمن | رواتب مقطوعة ومدارس مدمرة: كيف يلتهم قطار "الأدلجة" الحوثية مستقبل التعليم عبر بوابة "التقويم الهجري"؟

صنعاء – تقرير استقصائي خاص:

في خطوة تكشف بوضوح مدى انغماس مليشيا الحوثي الإرهابية—المدعومة من النظام الإيراني—في مشاريع "الأدلجة الطائفية" على حساب تدمير ما تبقى من المنظومة التعليمية، فجّر إعلان سلطات الجماعة التعليمية بصنعاء عن بدء العام الدراسي الجديد في 20 يونيو الحالي (وفقاً للتقويم الهجري المعتمد لديها) موجة واسعة من السخط والرفض العارم في الأوساط التربوية والحقوقية.

ووصف تربويون ومراقبون هذا القرار بأنه "مغامرة فجة" تعكس استخفافاً تاماً بمعاناة مئات الآلاف من الطلاب والمعلمين، وإمعاناً في عزل اليمن عن المنظومة التعليمية الحديثة والمستقرة، ضمن استراتيجية حوثية تسعى لربط مؤسسات الدولة إدارياً وزمنياً بهوية طائفية ضيقة.

الهروب إلى الأمام: تزيين الواجهة وانهيار الأساس

يأتي هذا الإصرار الحوثي على تغيير التقويم الدراسي والعبث به في وقت يواجه فيه قطاع التعليم في مناطق سيطرتها سكتة قلبية وشللاً شبه تام نتيجة أزمات متراكمة تجاهلتها الجماعة عمداً، وأبرزها:

سلاح التجويع الممنهج: استمرار قطع مرتبات أكثر من 130 ألف معلم ومعلمة منذ قرابة عقد من الزمن، ومقايضة صمودهم بسلال غذائية هزيلة أو إجبارهم على العمل السخرة.

بنى تحتية مدمرة: مئات المدارس باتت ركاماً أو مبانٍ متهالكة تفتقر لأدنى مقومات السلامة، في حين حُولت مدارس أخرى إلى معسكرات تدريب أو مخازن أسلحة.

تسرب مدرسي مخيف: قفز معدلات حرمان الأطفال من التعليم وتوجههم نحو رصيف الأمية وعمالة الأطفال، أو ما هو أسوأ: سوقهم من قاعات الدرس إلى محارق الموت وجبهات القتال.

هندسة الفوضى: الأبعاد الكارثية للتقويم الهجري

تعتمد المليشيا الحوثية التقويم الهجري في تسيير المعاملات الإدارية والتعليمية بشكل قسري. وبما أن السنة الهجرية تقل بنحو 11 يوماً عن السنة الميلادية، فإن هذا التلاعب ينتج عنه ترحيل مستمر وتقديم عشوائي لمواعيد الدراسة والاختبارات عاماً بعد آخر، وهو ما يترتب عليه كوارث تنظيمية ومناخية واقتصادية بالغة الصعوبة:

1. صدام مع قسوة المناخ (مواسم القيظ والسيول)

أدى التقديم المستمر للعام الدراسي إلى إجبار الطلاب على دخول المدارس في ذروة فصلي الصيف والخريف؛ وهي مواسم تشهد في أجزاء واسعة من اليمن درجات حرارة خانقة ورطوبة لافحة (في ظل انعدام تام للكهرباء بالم schools الحكومية)، بالإضافة إلى أمطار غزيرة وسيول جارفة تضرب المناطق الريفية والجبلية، مما يهدد سلامة الطلاب ويجعل من مسألة ذهابهم وعودتهم خطراً داهماً على حياتهم.

2. إرباك خطط الأسر وضغوط اقتصادية مزدوجة

أدى تقليص الإجازة الصيفية وحرمان الطلاب من فترات الراحة النفسية إلى مضاعفة الأعباء المالية على كاهل الأسر المطحونة اقتصادياً. فالأسر باتت تجد نفسها أمام التزامات والتزامات شراء قرطاسية وملابس مدرسية في أوقات متقاربة ومربكة، دون توفر أي مصادر دخل ثابتة.

"الأسر تجد نفسها كل عام أمام التزامات دراسية مبكرة تتزامن مع أوضاع معيشية شديدة الصعوبة، وتحول التعليم من رحلة استكشاف إلى كابوس تنظيمي ومادي يؤرق كل بيت"

— عبد الله السقاف، ولي أمر طالب في ريف صنعاء.

3. نسف استقرار البرامج التعليمية

تؤكد الكوادر التعليمية أن هذا التذبذب والتحول المستمر في المواعيد يحول دون بناء أي خطط دراسية مستدامة أو برامج زمنية دقيقة لإنهاء المناهج، وهو ما يدفع بالعملية التربوية برمتها نحو الارتجالية، ناهيك عن الاعتماد المطلق على "المعلمين المتطوعين" الذين يفتقرون للتأهيل والضمانات المهنية، بعد طرد المعلمين الرسميين واستبدالهم بعناصر عقائدية حوثية.

شهادات حية من واقع الجحيم التربوي

تتطابق شهادات من الداخل لتؤكد حجم الاحتقان؛ يقول "جميل" (اسم مستعار لمعلم في مدرسة حكومية بصنعاء):

"هذا النظام يؤدي إلى بدء الدراسة في توقيت أبكر من المعتاد دون منح الأسر أو المدارس فرصة كافية للاستعداد، الأمر الذي ينعكس على سير العملية التعليمية منذ أيامها الأولى ويخلق حالة عشوائية مستمرة".

من جهتها، تلفت التربوية أمل الهمداني، المعلمة في مدرسة أهلية، إلى خطورة الأثر الفني والتعليمي:

"التغيّر المستمر في مواعيد الدراسة والاختبارات يخلق تحديات كبيرة أمام إعداد الخطط الدراسية، ويؤثر على جودة التحصيل العلمي لدى الطالب الذي بات يعيش في دوامة مواعيد لا تستقر".

تجريف الهوية والهدف الأسمى للمليشيا

يخلص مراقبون وحقوقيون إلى أن انشغال المليشيا الحوثية بتفاصيل التقويم الهجري وأدلتجه، وإهمالها الكلي للمطالب الحقوقية كصرف المرتبات وطباعة الكتاب المدرسي، ليس عبثاً عفوياً؛ بل هو سلوك عنصري مقصود يهدف إلى تجريف الهوية الوطنية اليمنية، وتطبيع الرأي العام على المفاهيم الخاصة بالجماعة، وتحويل المدارس من منابر للعلم والوعي إلى معامل تفريخ مذهبية وطائفية لخدمة مشروعها السلالي ومخططاتها الإقليمية التدميرية.