تابعنا

حرب (البطاقة الذكية) تجرف (جيش الورق): الشفافية المالية تفكك شبكات الفساد العسكري في اليمن

حرب (البطاقة الذكية) تجرف (جيش الورق): الشفافية المالية تفكك شبكات الفساد العسكري في اليمن

عدن | تقرير خاص

تُخوض وزارة الدفاع اليمنية معركة حاسمة لإعادة هيكلة الملف المالي وضبط قوام القوات المسلحة، عقب تفجير وزير الدفاع طاهر العقيلي مواجهة علنية مع شبكات النفوذ والمال داخل المؤسسة العسكرية. وتأتي هذه الخطوة بعد إقرار آلية الصرف الإلكتروني المباشر للمرتبات عبر "البطاقة الذكية"، وهي الآلية التي أسقطت الأقنعة وعرت ظاهرة "الأسماء الوهمية" والجيوش الورقية التي اقتطعت مخصصات الدولة لسنوات.

مكاشفة رسمية تُربك مراكز النفوذ

فجّرت تصريحات وزير الدفاع طاهر العقيلي موجة ارتدادية داخل الأوساط العسكرية والسياسية، بعدما ربط بشفافية غير مسبوقة تأخر صرف مرتبات شهر أبريل برفض قيادات ألوية ومحاور عسكرية الاستجابة للتعليمات التنفيذية واستكمال كشوفات "التمام اليومي" المقترنة بالبصمة والأثر الإلكتروني.

وأكدت الوزارة أن زمن إيداع المخصصات المالية في حسابات القادة أو مندوبيهم قد انتهى دون رجعة، لحساب نظام بنكي شفاف يضمن وصول المستحقات كاملة إلى الحسابات الشخصية للضباط والجنود المرابطين. وأوضح العقيلي أن بعض القيادات تجاوزت حدود الاعتراض الإداري إلى شن حملات إساءة للقيادة العسكرية، واستغلال ظروف الجبهات كأداة ابتزاز سياسي وميداني للضغط باتجاه التراجع عن قرار الأتمتة المالية.

أتمتة الصرف تجفف منابع "الاستقطاعات غير القانونية"

على مدى السنوات الماضية، ظل ملف المرتبات يمثل ثقباً أسود يلتهم ميزانية الدولة؛ حيث اشتكى آلاف الجنود في مختلف المحاور من خصومات قسرية وممارسات حرمان طالت مستحقاتهم من قبل قادة الألوية والمندوبين الماليين.

وفي هذا السياق، أشاد وزير الإدارة المحلية السابق، الدكتور عبدالرقيب سيف فتح، ببدء قطاف نتائج النظام الرقمي، مؤكداً أن آلاف العسكريين والجنود المرابطين استلموا رواتبهم كاملة دون أي استقطاعات لأول مرة منذ سنوات. واعتبر فتح أن نجاح هذه الآلية يُعد مؤشراً عميقاً على بدء التعافي الأكاديمي والمالي وتدشين مسار الإصلاح المؤسسي الحقيقي داخل أروقة وزارة الدفاع.

هجمة إخوانية مضادة.. معركة الدفاع عن "الأسماء الوهمية"

في المقابل، قوبلت قرارات الاصلاح المالي بموجة رفض عارمة وحملات استهداف إعلامية وسياسية قادتها مطابخ إعلامية تابعة لحزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) في محافظتي مأرب وتعز، بالتزامن مع امتناع قادة محاور عسكرية محسوبين على الجماعة عن رفع كشوفات التمام الميداني.

ويرى الناشط والمحلل السياسي محمد باحمران أن حجم الشراسة التي تواجه بها هذه القرارات يكشف عن حجم المصالح المالية الضخمة التي تراكمت عبر السنين؛ إذ إن التحول للبطاقة الذكية لا يهدد السيطرة الإدارية فحسب، بل ينسف مفهوم "الجيش الورقي" ويحرم القادة المتنفذين من تجارة الأسماء الوهمية والازدواج الوظيفي التي نزفت الإيرادات العامة.

وأشار باحمران إلى أن الذعر المخيم على الأوساط المعترضة يؤكد أن القضية تجاوزت إطار "الآلية البنكية" إلى مسألة فرض الرقابة الصارمة على المال العام وإغلاق حواضن الفساد المالي، مشدداً على أن النجاح في تعميم التجربة يُعد الركيزة الأساسية لبناء جيش وطني ناهض يعتمد على الكفاءة والنزاهة والرقابة المؤسسية.

اختبار استعادة الدولة وبناء المؤسسات

يجزم متابعون للشأن اليمني بأن تمسك وزارة الدفاع بفرض الصرف المباشر يُشكل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة مؤسسات الشرعية على فرض هيبيتها واستعادة القرار الإداري والعسكري من قبضة مراكز النفوذ الحزبي والفردي.

إن وضع حد للتحكم بمرتبات الجنود لا يمثل مجرد إجراء مالي عابر، بل بداية عملية لمراجعة شاملة للجاهزية الميدانية، وضبط موازنات السلاح والتموين، وإرساء قواعد المساءلة والشفافية كشرط رئيسي لتأهيل القوات المسلحة وإعادة بناء عقيدتها الوطنية.