بكيل هي الحبل السري للحوثي، وإيران تدير الحرب الزيدية
كتب : انس الخليدي
ما من وزارة دفاع أو مؤسسة عسكرية وطنية في التاريخ اضطرت إلى الاعتذار للقبائل التي تقاتل في صفوف الحوثيين واسترضائها على هذا النحو، كما حدث في عهد أصحاب عمران، العقيلي وبن عزيز. هذه الواقعة تكشف طبيعة العلاقة المختلة بين المؤسسة العسكرية والبنية القبلية التي تستند إليها الجماعة، وتطرح سؤال جوهري عن الجهة التي تملك القرار الفعلي في معركة يفترض أن يقودها الجيش الوطني.
وكحقيقة، القوة البشرية التي يقوم عليها المشروع الحوثي تستند بالدرجة الأولى إلى الحشد القبلي وخاصة الحشد المذهبي الزيدي منذ بداية نشأتها، بينما تولت وتتولى إيران في عدة مراحل متتابعه تطوير هذه الكتلة المقاتلة وتنظيمها عسكريًا، وتزويدها بالخبرة والتسليح والتقنيات، والإسهام في إدارة المعارك والتخطيط لها، لذلك، محاولة اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية بحته يحجب حقيقة أساسية، فإيران لم تنشئ كل عناصر هذه القوة من الصفر، بل وجدت بنية محلية ممتدة ذات روابط قبلية ومذهبية وسياسية وعملت على تحويلها إلى قوة منظمة تخدم مشروعها الإقليمي.
وفي قلب هذه البنية تقف قبائل بكيل بكل فروعها وشبكاتها القبلية بوصفها الحبل السري المباشر والرئيسي الذي يمد الحركة الحوثية بجزء محوري من قوتها البشرية والتعبوية، فالنكف القبلي لم يكن تفصيل عابر في نشأة الجماعة منذ بداية تأسيسها وخلال الحروب الستة مع الدولة، بل كان من روافدها المؤسسة ووسيلة لاستدعاء المقاتلين وحشدهم وتعبئتهم قبل أن يتوسع الدور الإيراني الحالي في إدارة هذه القوة وتطوير قدراتها وتمكينها، ومن هنا، العلاقة بين الحوثيين وقبائل بكيل ليست مجرد تحالف عسكري فرضته ظروف الحرب بل امتداد لبنية اجتماعية وقبلية تتداخل فيها الروابط المذهبية مع المصالح والنفوذ والتصورات السياسية للسلطة.
والدلالة الأهم أن عبد الملك الحوثي لا يحشد هؤلاء المقاتلين على أساس أنهم هاشميين، فالقيادة الهاشمية تحتكر موقعها الإشرافي والقيادي داخل بنية الجماعة، بينما يأتي الثقل البشري المقاتل من أبناء القبائل والبيئة الزيدية التي تستجيب لشبكات التعبئة والنكف، وبهذا المعنى، تتوزع الأدوار داخل المشروع، قيادة هاشمية تحتكر مركز القرار، وقاعدة قبلية زيدية تمده بالمقاتلين والعناصر، وإدارة إيرانية تسهم في تنظيم هذه الكتلة وتحويلها إلى قوة عسكرية أكثر قدرة على خوض المعارك، وهذه ليست تفاصيل منفصلة بل هي حلقات مترابطة في بنية واحدة.
وعندما تقوم التعبئة على هذا الأساس، فإن الحرب لا تبقى مجرد مواجهة بين انقلاب وجمهورية، أو بين سلطة أمر واقع ودولة تسعى لاستعادة مؤسساتها، بل تتخذ في وعي التعبئة وخطابها، بعد مذهبي وهوياتي تستدعى فيه الروابط الزيدية لحشد المقاتلين في مواجهة بيئة يمنية شافعية أو سنية، وهنا يتجاوز النكف وظيفته القبلية التقليدية ليتحول مباشرة إلى أداة تعبئة لحرب تقدم داخل هذه البنية بوصفها دفاع عن الجماعة ومكانتها وعن مشروعها في الحكم كما هو حاصل، ولذلك فإن فهم ما يجري في تعز والوسط والجنوب لا يكتمل بالنظر إلى خطوط الجبهات وحدها بل يقتضي قراءة البنية المذهبية والقبلية التي تمد جماعة الحوثي بالمقاتلين والقيادة التي توظف هذه الروابط والدور الإيراني الذي ينظم القوة ويوسع قدراتها.
المشكلة الاستراتيجية أن مواجهة الحوثيين لا يمكن أن تنجح إذا انحصرت في مواجهة النفوذ الإيراني من الخارج، بينما تترك روافد القوة المحلية التي تغذي الجماعة وتمنحها القدرة على الاستمرار، فإيران تدير وتطور وتدعم، لكن الحشد البشري يأتي من الداخل، من البنية الزيدية ومن بكيل وشبكات قبلية ومذهبية تشكلت قبل اكتمال الارتباط بطهران، ومن يتجاهل هذه المعادلة سيظل يفسر أدوات الحرب القائمة من دون أن يفهم مصادرها، وهزيمة الحوثي تتطلب فهم هذه البنية التي ينبغي تفكيكها لفهم طبيعة المشروع نفسه، وأسباب استمراره، والكيفية التي تحولت بها الروابط القبلية والمذهبية إلى أدوات في معركة عبدالملك على السلطة وهوية الدولة والمجتمع ومستقبل اليمن.

