خارطة مراكز القوى: "أباطرة الصراع" داخل البيت الحوثي | تصدع "البنيان المرصوص".. كيف تنهش الخلافات المالية الجبهات العسكرية الحوثية؟
يرى مراقبون عسكريون أن "كرة الثلج" المتدحرجة من صراعات الأجنحة في صنعاء لن تتوقف عند أسوار "هيئة الأوقاف"، بل بدأت ارتداداتها تضرب العصب الحساس للجماعة، وهو التماسك العسكري.
1. تآكل "عقيدة الثقة" بين المركز والميدان
عندما يتسرب لأسماع المقاتلين في المتارس أن القيادات في صنعاء تتصارع على نهب مئات الملايين المخصصة لزيارة مقابر رفاقهم أو تجهيز قوافلهم، ينشأ شرخ هائل في الثقة. هذا التآكل يؤدي إلى:
• تراجع الروح المعنوية: الشعور بأن "الموت في الجبهة" تحول إلى تجارة رابحة للقيادات في صنعاء.
• اتساع الفجوة الطبقية: رؤية "مشرفي الصف الأول" يعيشون في رغد من العيش بفضل النهب، بينما يعاني المقاتل وأسرته الجوع، يولد حالة من "التمرد الصامت".
2. جفاف "شرايين الإمداد" اللوجستي
فضيحة نهب قوافل الدعم ليست مجرد سرقة مالية، بل هي ضربة في صميم الكفاءة القتالية:
• النقص الحاد في الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية في الجبهات يؤدي إلى ضعف القدرة على الصمود في العمليات الدفاعية الطويلة.
• اعتماد المليشيا على "النهب البيني" يعني أن الموارد لم تعد تصل إلى مستحقيها، مما قد يجبر بعض الوحدات الميدانية على الانسحاب أو التراخي في تنفيذ المهام.
3. تحول الولاء من "العقيدة" إلى "المصلحة"
أدت الخلافات الأخيرة إلى ظهور "مراكز قوى" عسكرية تتبع أجنحة سياسية محددة داخل الجماعة:
• جناح صعدة (المتشدد): يحاول إحكام قبضته على كل الموارد لضمان استمرارية الحرب.
• جناح صنعاء (البيروقراطي): يرى في الحرب وسيلة لتعظيم المكاسب الشخصية وتأمين النفوذ المستقبلي.
• النتيجة: في أي مواجهة عسكرية قادمة، قد لا تتحرك الوحدات العسكرية ككتلة واحدة، بل وفقاً لمصالح الجناح الذي تتبعه، مما يسهل اختراقها عسكرياً.
4. الفشل في "الحشد الشعبي" الجديد
بما أن الأموال المنهوبة كانت مخصصة لأنشطة "التعبئة والتحشيد"، فإن هذا الفساد سيؤدي بالضرورة إلى:
• فشل الحملات الجديدة لاستقطاب مقاتلين (وقود بشري)، حيث أصبح المجتمع في مناطق سيطرتهم أكثر وعياً بحجم المتاجرة بدماء أبنائهم.
• ضعف "الحاضنة الشعبية" التي كانت ترفد الجبهات بالقوافل، بعدما رأت بأم عينها كيف تُسرق تبرعاتها لتمويل صراعات القيادات.
الخلاصة الاستراتيجية
إن مليشيا الحوثي تعيش اليوم مرحلة "التعفن الداخلي". وبينما تبدو متماسكة من الخارج بفضل القمع الأمني، إلا أن الصراع على "فتات الموارد" يشير إلى أن الجماعة دخلت مرحلة التآكل الذاتي.
التوقع: أي ضغط عسكري خارجي حقيقي أو انتفاضة شعبية واسعة في هذا التوقيت، سيجد أمامه جبهات حوثية "هشة" تنظيمياً، ومنقسمة ولاءً، ومنهكة إمدادياً.
بناءً على التقارير الميدانية والتسريبات القادمة من أروقة الحكم في صنعاء، يمكن تقسيم مراكز القوى المتصارعة داخل المليشيا إلى ثلاثة أجنحة رئيسية، لكل منها أهدافه وأدواته في السيطرة على الموارد والقرار العسكري:
خارطة مراكز القوى: "أباطرة الصراع" داخل البيت الحوثي
1. جناح صعدة (الجناح العقائدي المتشدد) - "الصقور"
هذا الجناح هو الأكثر نفوذاً، كونه يمثل "النواة الصلبة" للجماعة والقادم من الكهوف والمظلومية التاريخية المزعومة.
• أبرز القادة: * محمد علي الحوثي: رئيس اللجنة الثورية العليا سابقاً، ويعد "واجهة الحشد" والمتحكم بالقبائل.
• عبد المجيد الحوثي: رئيس "هيئة الأوقاف"، وهو بطل الفضيحة الأخيرة، ويسعى لابتلاع أملاك الأوقاف لتغذية هذا الجناح ماديًا.
• عبد الكريم الحوثي: وزير الداخلية (عم زعيم الجماعة)، ويمسك بالقبضة الأمنية والملفات الحساسة.
• الهدف: السيطرة الكاملة على موارد الدولة (الأوقاف، الزكاة، الضرائب) وتسخيرها لخدمة "المسيرة" وتعزيز نفوذ العائلة.
2. جناح صنعاء (الجناح البيروقراطي والنفعي) - "الهوامير"
يتشكل من القيادات التي التحقت بالجماعة بعد اجتياح صنعاء 2014، أو الشخصيات القبلية والعسكرية التي وجدت في الحوثية وسيلة للحفاظ على مصالحها.
• أبرز القادة:
• مهدي المشاط: رئيس ما يسمى "المجلس السياسي الأعلى"، ورغم قربه من صعدة، إلا أنه يمثل الواجهة الرسمية التي تصطدم باللجان الثورية.
• أحمد حامد (أبو محفوظ): مدير مكتب المشاط، ويُعد "الحاكم الفعلي" لصنعاء، ويمسك بمفاصل المؤسسات الإيرادية، ويخوض حرباً شرسة ضد محمد علي الحوثي.
• الهدف: مأسسة الفساد من خلال السيطرة على المؤسسات الحكومية، وفرض جبايات منظمة تخدم نفوذهم الشخصي والمناطق، وتحويل المساعدات الدولية لمصلحتهم.
3. جناح "الأمن والمخابرات" - "الظل الإيراني"
جناح ينمو بسرعة تحت إشراف مباشر من خبراء إيرانيين ومن حزب الله، وهو الذي يدير الاغتيالات والتصفيات الداخلية لإبقاء التوازن.
• أبرز القادة:
• عبد الحكيم الخيواني (أبو كرار): رئيس جهاز الأمن والمخابرات، والرجل الذي يخشاه الجميع داخل الجماعة.
• الهدف: تصفية أي صوت معارض داخل المليشيا، وضمان بقاء الجميع تحت "سقف الطاعة" لزعيم الجماعة وتوجيهات طهران.
تداعيات هذا "الاستقطاب" على الجبهات
تنعكس هذه الخلافات على الأرض من خلال "حروب النفوذ الميدانية":
1. سباق الجبايات: كل جناح يفرض نقاط تفتيش وجبايات خاصة به على التجار والمواطنين، مما يشتت الموارد المخصصة للجبهات الأساسية.
2. التصفيات البينية: تزايدت حالات الاغتيالات الغامضة لمشرفين ميدانيين وقادة عسكريين، والتي غالباً ما تُقيد ضد "مجهول" أو تنسب لغارات التحالف، بينما هي نتيجة صراع مالي داخلي.
3. تعدد المرجعيات: يجد القائد العسكري نفسه أحياناً أمام أوامر متضاربة من (المشاط) ومن (اللجنة الثورية)، مما يسبب شللاً في اتخاذ القرار أثناء العمليات القتالية.
ملاحظة تحليلية: الخلاف بين عبد المجيد الحوثي وأحمد حامد هو المحرك الأقوى حالياً للفضائح المالية، حيث يسعى كل طرف لكشف أوراق الآخر أمام "زعيم الجماعة" للإطاحة به والاستحواذ على حصته من "كعكة النهب".

