تابعنا

معركة "الأرشيف المنهوب".. لماذا يسابق الحوثيون الزمن لرقمنة ومركزة بيانات التأمينات في صنعاء؟

معركة "الأرشيف المنهوب".. لماذا يسابق الحوثيون الزمن لرقمنة ومركزة بيانات التأمينات في صنعاء؟

صنعاء | تقرير استقصائي :

خلف لافتات "التحديث الإداري" و"الأرشفة الإلكترونية" البراقة، تشن مليشيا الحوثي الإرهابية في صنعاء والمناطق المختطفة واحدة من أخطر معاركها الصامتة: "معركة السيطرة على البيانات". فبينما يُقدم مشروع أتمتة هيئة التأمينات والمعاشات كخطوة نحو التحول الرقمي، تكشف الحقائق الميدانية عن عملية "هندسة اجتماعية ووظيفية" كبرى، تهدف إلى إحكام قبضة المليشيا على "الصندوق الأسود" للدولة اليمنية.

1. لغز التوقيت والسرعة: من الورق إلى "المستودع الرقمي المركزى"

منذ أواخر عام 2024، تسارعت وتيرة "رقمنة" الملفات الوظيفية، لتبلغ ذروتها في عام 2025. وبحسب الأرقام المعلنة، تم سحب أكثر من 2 مليون وثيقة وأرشفة 55 ألف ملف موظف إلكترونياً.

لكن الخطورة لا تكمن في المسح الضوئي، بل في بناء "قاعدة بيانات مترابطة" تتيح للمليشيا فرز الموظفين والمتقاعدين بناءً على:

الولاء والموقف السياسي.

الخلفية الجغرافية والمناطقية.

المسار الوظيفي والمالي.

هذا النظام لا يهدف لتسريع الإجراءات كما يُشاع، بل لتحويل البيانات إلى "سلاح إداري" قادر على شطب أو إضافة أي اسم بضغطة زر واحدة بعيداً عن الرقابة القانونية.

2. تهجير "الأصول": سحب الأرشيف الورقي من المحافظات

في إجراء ينسف أسس العمل الإداري اللامركزي، كشفت مصادر خاصة لـ "الساحل الغربي" أن العملية لم تكتفِ بالنسخ الرقمي، بل شملت "التهجير القسري للوثائق الأصلية".

الخارطة المنهوبة: بدأت العملية في سبتمبر 2025، وشملت سحب الأرشيفات الورقية من ذمار، عمران، إب، والحوبان (تعز) ونقلها إلى مراكز تجميع سرية في صنعاء.

إعدام الفروع: تم تجريد فروع الهيئة في المحافظات من استقلاليتها وصلاحياتها، وتحويلها إلى مجرد مكاتب بريد بلا مرجعية وثائقية، مما يجعل الموظف في تلك المناطق رهينة لقرار "المركز الحوثي" في كل معاملة.

3. "الكحلاني".. العقل المدبر لهندسة الإقصاء

يشرف على هذا المشروع المدعو شرف الدين الكحلاني (منتحل صفة رئيس المؤسسة)، وهو أحد التكنوقراط الماليين المرتبطين بهيكل "الاقتصاد الخفي" للمليشيا. مهمة الكحلاني تتجاوز الإدارة إلى:

1. توحيد قواعد البيانات: لضمان عدم وجود أي "ثغرات" تسمح بصرف مبالغ لمن لا ترضى عنهم المليشيا.

2. تنقية الكشوفات: تحت لافتة "تصحيح الأخطاء"، تجري مراجعات لملفات قديمة تهدف لتنزيل أسماء الآلاف من المتقاعدين والموظفين الذين لا ينخرطون في أنشطة المليشيا.

4. "خريطة بشرية" للأغراض القتالية والأمنية

تمثل بيانات التأمينات والمعاشات "أدق خريطة ديموغرافية وبشرية" في اليمن. السيطرة عليها تمنح المليشيا قدرات أمنية واستخباراتية هائلة، منها:

الابتزاز المالي: ربط صرف المعاشات (المتوقفة أصلاً أو المقطوعة) بـ "تحديث البيانات" الذي يتطلب حضوراً شخصياً أو انخراطاً في دورات ثقافية.

التغيير الديموغرافى الوظيفي: إحلال عناصر المليشيا (الميليشياوي البديل) مكان الموظفين الفعليين عبر التلاعب بالرقم الوظيفي وسنوات الخدمة في القاعدة الرقمية الجديدة.

5. الاستراتيجية البعيدة: "تلغيم" أي تسوية سياسية قادمة

لماذا يسابق الحوثيون الزمن الآن؟ يرى مراقبون أن المليشيا تدرك أن أي تسوية سياسية دولية ستطرح ملف "توحيد كشوفات الرواتب". لذا، هي تعمل على:

فرض الأمر الواقع: تقديم قاعدة بيانات "مؤتمتة" وجاهزة تم فيها مسبقاً شطب المعارضين وإضافة الآلاف من عناصرها السلالية بصفة "موظفين رسميين".

الاعتماد القسري: جعل أي سلطة قادمة مضطرة للتعامل مع "النظام الحوثي" لأنه الوحيد الذي يملك "الأصول الرقمية والورقية" للموظفين، مما يمنح المليشيا حق "الفيتو" الإداري في أي مرحلة انتقالية.

الخلاصة: السطو على "ذاكرة الدولة"

إن ما يحدث في هيئة التأمينات ليس "تحديثاً"، بل هو "سطو مسلح على ذاكرة الدولة اليمنية". المليشيا لا تكتفي بنهب الحاضر، بل تؤمن سيطرتها على المستقبل عبر احتكار البيانات، وتحويل حقوق الموظفين المكتسبة عبر عقود من الزمن إلى "رهينة" في يد "مستودع صنعاء المركزى".

"الأرشفة الإلكترونية الحوثية هي المقصلة الرقمية التي ستذبح حقوق مئات الآلاف من الموظفين، وتحول الوظيفة العامة من حق قانوني إلى مكرمة ميليشياوية."