مخطط ممنهج يهدف لتكريس سلطة الظل | استراتيجية "الكانتونات": كيف حول الإخوان تعز إلى ساحة استنزاف ومأرب إلى بنك مركزي خاص؟
تكشف القراءة المتعمقة لسياسات حزب الإصلاح (الذراع السياسية للإخوان المسلمين في اليمن) عن مخطط ممنهج يهدف إلى تكريس "سلطة الظل" في محافظتي تعز ومأرب. وتعتمد هذه الاستراتيجية على مبدأ "توزيع الأدوار الجيوسياسية"، حيث يتم استغلال كل محافظة وفقاً لثقلها، بما يضمن للتنظيم نفوذاً عسكرياً ومالياً بعيداً عن رقابة الدولة المركزية.
ثنائية "الفوضى والقبضة": إدارة التناقضات
ينتهج التنظيم تكتيكات متباينة لإدارة معاقله، تظهر جلياً في المقارنة بين المحافظتين:
• في تعز: جرى تحويل المدينة إلى ساحة للمناورات السياسية وتصفية الحسابات مع الخصوم. وقد استخدم الحزب "الفوضى الأمنية المنظمة" كأداة لزعزعة أي استقرار قد يمنح القوى الوطنية الأخرى فرصة للبروز، مما أدى إلى تفريغ تعز من دورها الريادي وتشويه رمزيتها الثقافية.
• في مأرب: على النقيض تماماً، فُرضت قبضة أمنية حديدية تحت مسمى "الاستقرار"، والهدف الحقيقي هو تحويل المحافظة النفطية إلى "إمارة مغلقة" وخزان مالي استراتيجي يغذي أنشطة التنظيم بعيداً عن توريد الإيرادات للبنك المركزي في عدن.
"النفوذ بلا مسؤولية": التمويه المؤسسي كغطاء
يعتمد الإخوان في المحافظتين على نهج "الوصاية الخفية"، وهو تكتيك يتيح لهم السيطرة على مفاصل القرار الأمني والعسكري دون تحمل التبعات القانونية أو الفشل الإداري:
1. الواجهات الصورية: يحرص الحزب على تنصيب شخصيات من خارج كوادره في المناصب الإدارية العليا (كمحافظين)، بينما تُدار السلطة الفعلية عبر "المكاتب التنفيذية" و"الغرف المغلقة" التابعة للتنظيم.
2. عسكرة الوظيفة العامة: التغلغل في الجهاز الإداري والأمني عبر تعيينات حزبية تضمن الولاء المطلق وتجعل المؤسسات الرسمية مجرد أدوات لتنفيذ أجندة الحزب.
مأرب.. الثقل الفعلي والتمويل الموازي
يرى باحثون أن حزب الإصلاح نجح في تحويل مأرب إلى مركز ثقل حقيقي يتجاوز الدولة، حيث تُدار موارد النفط والغاز عبر أجهزة أمنية خاصة ترتبط مباشرة بقيادة التنظيم. هذا "الفصل المالي" جعل من مأرب قاعدة انطلاق لإعادة توزيع الولاءات القبلية والسياسية، ومحطة لتمويل موجات الاضطراب التي تستهدف المحافظات الجنوبية، لضمان بقاء الحزب كلاعب لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة.
تفريغ تعز.. العقاب الممنهج
في المقابل، تعرضت تعز لعملية "تدمير معنوي" ممنهجة؛ فبعد أن كانت منطلقاً للمشاريع الوطنية، حصرها الإخوان في زاوية الضيق المعيشي والانفلات الأمني. ويعزو مراقبون ذلك إلى رغبة الحزب في إشغال الشارع التعزي بلقمة العيش والأمن اليومي، لمنعه من الانتفاض ضد الهيمنة الإخوانية التي تدرك جيداً أن الحاضنة الشعبية في تعز ترفض أدبيات التنظيم وسلوكه الإقصائي.
الخلاصة: إن ما يحدث في تعز ومأرب ليس مجرد صدفة إدارية، بل هو تطبيق عملي لمفهوم "الاستثمار في الأزمات"؛ حيث تُستغل جراح تعز لتبرير التوسع، وتُنهب ثروات مأرب لتأمين البقاء، في مشهد يكرس الانقسام الوطني ويضع مصالح الجماعة فوق اعتبارات السيادة اليمنية.

