تابعنا

في اليمن | إمبراطورية "المناطق الرمادية": قراءة في التحالف المالي بين الإخوان والحوثيين | كيف يتقاسمون عوائد المنافذ والجبايات؟

في اليمن | إمبراطورية "المناطق الرمادية": قراءة في التحالف المالي بين الإخوان والحوثيين | كيف يتقاسمون عوائد المنافذ والجبايات؟

في مشهد معقد تتداخل فيه المصالح العابرة للخنادق، برزت في اليمن خلال الاعوام الماضية ظاهرة "المناطق الرمادية"؛ وهي مساحات جغرافية تفصل بين نفوذ حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) والميليشيا الحوثية. هذه المناطق لم تعد مجرد خطوط تماس عسكرية، بل تحولت إلى "رئة اقتصادية" ومنظومة جبايات متكاملة تضمن ديمومة الحرب وتكديس الثروات لطرفي التخادم بعيداً عن أعين الرقابة الوطنية والدولية.

أولاً: اقتصاد الجبايات المزدوجة.. سحق المواطن لتمويل الخزائن

خلف الخطاب الإعلامي المشحون بالعداء، ثمة واقع ميداني في محافظات تعز، مأرب، والجوف يشي بتنسيق مالي عالي المستوى. لقد استحدث الطرفان "نقاط جمركية بينية" تعمل بعقلية المافيا المنظمة، حيث تُفرض ضرائب وإتاوات مضاعفة على السلع الأساسية والمواد الغذائية.

دورة الجباية: تبدأ من منافذ يسيطر عليها الإخوان، لتنتهي عند "الجمارك المستحدثة" للحوثيين، مما يخلق تضخماً اصطناعياً في الأسعار.

تجارة الجوع: هذا النظام المالي الموازي جعل من الاحتياجات الإنسانية "وقوداً" للاستمرار، حيث تتدفق الأموال إلى حسابات خاصة بقيادات الحزب والميليشيا، متجاوزةً البنك المركزي والقنوات الرسمية، مما يكرس حالة "دولة داخل الدولة".

ثانياً: شريان النفط والغاز.. الثروات السيادية في ميزان "البيزنس" المشترك

يعد قطاع الطاقة النموذج الأوضح لسياسة "تجميد الجبهات مقابل تدفق الموارد". في عام 2026، كشفت الوقائع عن شبكة معقدة من الوسطاء الماليين والشركات الوهمية التابعة لقيادات إخوانية، تتولى تأمين وصول المشتقات النفطية والغاز من مأرب إلى مناطق سيطرة الحوثيين.

التفاهمات تحت الطاولة: يتم تحريك القوافل عبر ممرات آمنة متفق عليها، مقابل تقاسم الأرباح الخيالية الناتجة عن فوارق أسعار السوق السوداء.

الانسحابات التكتيكية: يفسر هذا التخادم سر بقاء الجبهات في مناطق الثروة "ساكنة"، إذ يمثل بقاء التهديد الحوثي ذريعة مثالية للإخوان للإبقاء على هيمنتهم المطلقة على منابع النفط والغاز في المحافظات الشرقية والوسطى، بدعوى "حماية الموارد".

ثالثاً: الدعم اللوجستي المنظم والتهريب "السياسي"

تجاوز التخادم السلع الاستهلاكية ليصل إلى مستويات استراتيجية تهدد الأمن القومي. ففي عام 2026، تحولت بعض المنافذ التي يسيطر عليها الإخوان إدارياً أو عسكرياً في المهرة وحضرموت إلى ممرات "ترانزيت" غير رسمية للمعدات ذات الاستخدام المزدوج.

تقنيات الموت: رصدت تقارير رقابية مرور شحنات تحتوي على مكونات للطائرات المسيرة وأجهزة اتصالات عسكرية تحت غطاء "بضائع تجارية"، بتواطؤ مباشر يهدف إلى إبقاء الضغط العسكري الحوثي موجهاً نحو خصوم الإخوان المشتركين، وفي مقدمتهم القوات الجنوبية والقوات المدعومة من التحالف العربي.

المزود اللوجستي الخفي: تحول الإخوان عملياً إلى "المزود اللوجستي" للمشروع الحوثي، مما أدى إلى إطالة أمد الصراع وتقويض فرص استعادة مؤسسات الدولة الشرعية.

رابعاً: الطبقة الطفيلية ومخاطر التسوية السياسية

لقد أفرز هذا الواقع "طبقة طفيلية" من أمراء الحرب الذين تضخمت ثرواتهم واستثماراتهم في الخارج (خاصة في تركيا وعواصم إقليمية أخرى). هؤلاء يرون في أي تسوية سياسية شاملة أو حسم عسكري حقيقي "تهديداً وجودياً" لمصالحهم المالية.

المعارك الجانبية: يتم تعمد استنزاف موارد التحالف العربي في معارك هامشية بعيداً عن العمق الحوثي، لضمان بقاء الوضع الراهن (Status Quo) الذي يدر مليارات الريالات سنوياً.

تفتيت السيادة: الهدف النهائي لهذا التخادم هو تحويل اليمن إلى إقطاعيات مالية وعسكرية معزولة، يسهل التحكم بها بعيداً عن مفهوم الدولة الموحدة والسيادة الوطنية.

الخلاصة:

إن معركة استعادة اليمن لا تمر فقط عبر فوهات البنادق في جبهات القتال، بل تمر حتماً عبر تفكيك الإمبراطورية المالية الموازية. فلا يمكن تحقيق نصر استراتيجي على الحوثي طالما ظل شريكه "الإخواني" يمسك بمفاتيح الاقتصاد اللوجستي ويؤمن له سبل البقاء عبر "المناطق الرمادية". إن قطع شرايين هذا التخادم هو الخطوة الأولى والضرورية لإنقاذ ما تبقى من الدولة اليمنية.