في صنعاء | "مقاصل الديون" تطوق العائلات.. شلل اقتصادي ينهش بقايا الحياة تحت وطأة القمع والجوع
صنعاء | تقرير ميداني
خلف واجهات المباني التاريخية في صنعاء المختطفة، تدور حرب صامتة لا تُسمع فيها أصوات المدافع، بل أنين الآلاف من ربات البيوت والآباء الذين وجدوا أنفسهم مكبلين بـ "أغلال" الديون. في هذه المدينة، لم يعد الجوع هو العدو الوحيد، بل أصبحت "دفاتر الحسابات" في البقالات ومطالبات المؤجرين تمثل مقصلة يومية تلاحق الأسر التي سُحقت بين رحى انقطاع الرواتب وجنون الأسعار.
أم سيف.. كفاح مرير في "حفرة الالتزامات"
تختزل قصة "أم سيف" (42 عاماً) مأساة جيل كامل من النساء اليمنيات اللواتي وجدن أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الفقر المدقع بعد فقدان المعيل. بخمسة أطفال وأمل يتآكل، انزلقت حياة هذه الأسرة إلى نفق الديون المظلم، حيث تراكمت عليها التزامات تجاوزت 550 ألف ريال يمني (نحو 1,000 دولار).
تقول أم سيف بمرارة: "الديون كالحبل الذي يلتف حول رقابنا ويزداد ضيقاً كل يوم". لم تعد المشكلة في تأمين الوجبة القادمة فحسب، بل في شبح الطرد الذي يطاردها بعد عجزها عن سداد إيجار ثمانية أشهر متأخرة. ورغم عملها الشاق في تنظيف المنازل، إلا أن أجرها الزهيد يتبخر أمام وحش الغلاء قبل أن يصل إلى جيوب الدائنين، الذين بدأوا بدورهم يغلقون أبواب "الاستدانة" في وجهها خوفاً من ضياع حقوقهم.
تآكل الطبقة الوسطى.. موظفون يبيعون "ذكرياتهم" للبقاء
الأزمة لم ترحم أحداً، فقد طالت "الطبقة الوسطى" التي كانت يوماً صمام أمان المجتمع. موظفون حكوميون قضوا عقوداً في الخدمة المدنية، وجدوا أنفسهم اليوم يتوسلون "صاحب البقالة" للحصول على كيس دقيق.
أحد الموظفين في صنعاء، قضى 25 عاماً في العمل، يصف واقعه بـ "الانهيار الصامت"؛ حيث تجاوزت ديونه 400 ألف ريال، مما اضطره لبيع ممتلكاته الشخصية وقطع أثاث منزله لتأمين الحد الأدنى من الكرامة لأطفاله. يقول بأسى: "أصعب ما في هذا العجز ليس الجوع، بل انكسار العين أمام الدائنين".
تجار التجزئة.. الانهيار يطرق أبواب الجميع
دائرة العجز المالي لا تتوقف عند المستهلك؛ بل تمتد لتضرب قلب الحركة التجارية الصغيرة. في "صنعاء القديمة"، يتحدث أحد تجار المواد الغذائية عن دفاتر ديون مثقلة بمبالغ تتجاوز 5 ملايين ريال يمني.
يؤكد التاجر أن الوضع أصبح "انتحاراً تجارياً"، فهو ممزق بين إنسانيته وتفهمه لظروف الأسر المعدمة، وبين ضغط الموردين الذين يطالبونه بالدفع نقداً، مما ينذر بإغلاق مئات المحلات الصغيرة التي كانت تمثل شريان الحياة للأحياء الشعبية.
أرقام صادمة وتوقعات قاتمة
تعكس التقارير الدولية هول الكارثة في اليمن:
• 80% من الأسر اليمنية غارقة في الديون، ومعظمها مخصص لتوفير "لقمة العيش" فقط.
• تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) تحذر من أن عام 2026 قد يشهد انعداماً حاداً في الأمن الغذائي يطال 18.3 مليون شخص.
خلاصة المشهد:
إن ما يحدث في صنعاء اليوم ليس مجرد "أزمة مالية"، بل هو تجريف ممنهج لكرامة الإنسان اليمني. فتحت وطأة الجبايات الحوثية وتعطيل مصادر الدخل، تحولت الديون من وسيلة للتدبير إلى "حكم بالإعدام الاجتماعي" يطوق أعناق الملايين، في انتظار معجزة اقتصادية أو إنفراجة سياسية تنهي هذا المسلسل الجنائزي.

