خريطة الدم.. تصفيات الاجنحة الحوثية العابرة للمحافظات | تآكل "البنيان المرصوص".. "حرب شوارع" في صنعاء والحديدة - تفكك أمني شامل ينذر بالانفجار الكبير
في الوقت الذي تحاول فيه جماعة الحوثي تسويق صورة التماسك العقائدي والسياسي، تكشف الوقائع الميدانية المتلاحقة عن "انفجار من الداخل" بدأ يضرب مفاصل الجماعة. فلم تعد الخلافات حبيسة الغرف المغلقة، بل تحولت إلى مواجهات مسلحة مفتوحة وتصفيات بينية تعكس صراعاً محموماً على النفوذ والموارد، في ظل عجز القيادة العليا عن كبح جماح "أمراء الحرب" الميدانيين.
أولاً: "جبل رأس".. حين تتحول المقرات الأمنية إلى ساحات إعدام
شهدت مديرية جبل رأس جنوب الحديدة، الثلاثاء الماضي، فصلاً جديداً من فصول الفوضى؛ حيث تحول مقر إدارة الأمن إلى "ميدان رماية" بين قطبين من قيادات الجماعة:
• أطراف المواجهة: الصدام اندلع بين مدير أمن المديرية المعين حوثياً (محمد القحيف) والقيادي الميداني (أبو بشار حبيب مطلق).
• النتيجة: اشتباكات عنيفة بالأسلحة الرشاشة وسط الأحياء السكنية، خلفت جرحى من الطرفين وإصابة مدنيين في حالة حرجة، مما يعكس تحول المؤسسة الأمنية إلى "إقطاعيات خاصة" لتصفية الحسابات الشخصية.
ثانياً: خريطة الدم.. تصفيات عابرة للمحافظات
لا يبدو حادث الحديدة معزولاً، بل هو جزء من "تسونامي" اغتفالات وصراعات طالت قادة أمنيين وميدانيين في (الجوف، المحويت، صنعاء، والبيضاء). ويرى الخبراء أن هذا المشهد يمثل تحولاً من الصراع مع "الآخر" إلى الصراع "البيني"، مدفوعاً بـ:
1. التنافس على الجبايات: الصراع على الموارد والمصالح المالية التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
2. تآكل التحالفات القبلية: إقصاء القوى الاجتماعية والقبلية التي كانت شريكة في السابق، لصالح "الجناح العقائدي" الأكثر تطرفاً.
ثالثاً: قضية "قيفة وسنحان".. القضاء كأداة للبطش السياسي
في محافظة البيضاء، وتحديداً رداع، تفجر لغم اجتماعي جديد بعد إصدار محاكم حوثية قرارات إعدام جماعية بحق 11 شخصاً من أبناء قبائل (قيفة) في نزاع مع قبائل (سنحان).
• اتهامات بالانحياز: يتهم أبناء قيفة القيادي الحوثي البارز (يحيى الرزامي) بتسييس القضاء وتوجيهه للانتقام منهم بسبب مواقفهم المناهضة للجماعة.
• فقدان الثقة: هذا التوظيف السياسي للقضاء دفع القبائل نحو التصعيد المسلح، مما يجعل المنطقة "برميلاً بارود" قابلاً للانفجار في أي لحظة.
رابعاً: "عزلة القيادة" ورعونة المشرفين
يرى محللون سياسيون أن هناك فجوة تتسع بين "هرم السلطة" و"قواعد الميدان":
• اختفاء الرؤوس الكبيرة: دفع التوجس من الاستهداف الخارجي (الإسرائيلي والدولي) القيادات العليا إلى الاختفاء، مما ترك "المشرفين الميدانيين" يتصرفون برعونة مطلقة لإثبات السيطرة.
• الضغط النفسي والاجتماعي: تردي الخدمات والانهيار المعيشي حول الشارع إلى بيئة مشحونة، حيث ينفجر غضب السكان في خلافات شخصية دامية، في ظل غياب الدولة وحضور "شريعة الغاب".
خامساً: القضاء على "الشيخ".. استهداف الرموز الاجتماعية
لم يسلم الوجهاء من نيران الصراع الداخلي، فمقتل الشيخ (عبدالرزاق العذري) في أرحب على يد شقيقه المنخرط في المليشيا، ومقتل الشيخ (محمد الربيحي) في كمين غامض برداع، يؤكد أن الجماعة تعمل على تفكيك النسيج القبلي اليمني لصالح "الولاءات الفردية" للمشرفين، مما يفتح الباب أمام موجة لا تنتهي من الثارات القبلية.
الخلاصة: مشهد ما قبل السقوط
يكشف هذا التقرير أن المليشيات الحوثية دخلت مرحلة "التآكل الذاتي"؛ فالمؤسسات التي أنشأتها (أمنية، قضائية، إدارية) فقدت الحد الأدنى من الشرعية والفاعلية، وتحولت إلى أدوات للجباية والبطش.
إن هذا الانفلات الأمني ليس مجرد "حوادث عارضة"، بل هو مؤشر على فقدان السيطرة المركزية، حيث يجد المواطن اليمني نفسه عالقاً بين كماشتي: قيادات تتصارع في الأعلى، وغوغائية مسلحة تفتك بالناس في الميدان.

