كواليس تعويم "الدولار الجمركي": السلع الأساسية مُعفاة قانوناً.. والتجار يتأهبون لرفع أسعارها في غياب الرقابة
عدن | تقرير خاص
تتزايد التحذيرات الاقتصادية من التداعيات الكارثية لقرار مجلس الوزراء الأخير، القاضي بتعويم سعر "الدولار الجمركي" وربطه بأسعار السوق الحرة. وبينما تبرر الحكومة الخطوة بمحاولة رفد الخزينة العامة، يرى خبراء أن القرار يفتح الباب على مصراعيه أمام موجة تضخمية جديدة تلتهم ما تبقى من قدرة شرائية للمواطنين، وسط مخاوف من استغلال تجاري واسع لغياب الرقابة الرسمية.
"معالجات تضخمية" ترفع تكلفة المعيشة
وفي قراءة للمشهد، أكد الصحفي المتخصص بالشأن الاقتصادي، وفيق صالح، أن الإجراءات الحكومية الأخيرة تمثل "معالجات تضخمية" قصيرة النظر. وأوضح صالح أن التوجه نحو تحرير الدولار الجمركي بالتوازي مع إقرار "بدل غلاء معيشة" هو حلقة مفرغة، ستؤدي فوراً إلى قفزة في أسعار السلع، وتكاليف النقل، والخدمات العامة.
وأشار صالح إلى أن هذه السياسات سترتد سلباً على الحكومة ذاتها؛ كونها ستتسبب في تضخم هيكل الأجور والمرتبات دون جدوى حقيقية. وشدد على أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يمر عبر الحلول الجبائية، بل عبر:
• تنمية الموارد المحلية غير النفطية.
• إنعاش الصادرات وتعزيز قيمتها.
• تقليص عجز ميزان المدفوعات لدعم القيمة الشرائية للعملة الوطنية.
مفارقة السوق: المستهلك يدفع الثمن دائماً
من جانبه، فكك الخبير الاقتصادي، يوسف سعيد، طبيعة العلاقة الجدلية بين "الدولار الجمركي" وسلوك البيع في الأسواق. وأشار في قراءة تحليلية إلى أن المستفيد الأول والتاريخي من الامتيازات الجمركية هم التجار وليس المستهلكين، مؤكداً أن أسعار البيع لم تشهد انخفاضاً قط عندما كان الدولار الجمركي مدعوماً.
وأوضح سعيد أن التجار يمارسون سياسة "التحوط المفرط"؛ حيث يسعرون بضائعهم بناءً على سعر صرف الدولار في السوق الموازية (السوداء) مع إضافة "هامش مخاطرة"، متجاهلين تماماً السعر الجمركي الرسمي الذي تدرج تاريخياً من 250، ثم 500، وصولاً إلى 750 ريالاً للدولار.
"المواد الغذائية والأدوية معفاة قانوناً من الرسوم الجمركية، ومع ذلك، تكون دائماً في طليعة السلع التي يرفع التجار أسعارها مع أي تحريك للسوق، مستغلين غياب الرقابة الحكومية والشعبية."
— الخبير الاقتصادي يوسف سعيد
"التضخم المستورد" وأزمة هرمز.. ضغوط مزدوجة
ولفت التقرير الاقتصادي إلى أن توقيت قرار التعويم يتزامن مع ضغوط تضخمية خارجية قاسية، أو ما يُعرف بـ "التضخم المستورد". فإلى جانب القرار المحلي، تواجه حركة الاستيراد تداعيات جيوسياسية معقدة جراء أزمة مضيق هرمز، وما ترتب عليها من ارتفاع جنوني في رسوم التأمين البحري على الناقلات وشحن البضائع، مما يعني أن الأسواق المحلية مقبلة على موجة غلاء مزدوجة (محلية وخارجية) سيدفع ثمنها المواطن البسيط وحده.

