تابعنا

استراتيجية التصعيد المحسوب الإيرانية: رهان البقاء في مواجهة واشنطن وتل أبيب

استراتيجية التصعيد المحسوب الإيرانية: رهان البقاء في مواجهة واشنطن وتل أبيب

تشير التحركات العسكرية الإيرانية في ظل الصراع المتصاعد مع إسرائيل والولايات المتحدة إلى أن طهران لا تخوض معركة لتحقيق نصر تقليدي، بل تسعى للبقاء على قيد الحياة بشروطها الخاصة، معتمدة على استراتيجية ترتكز على الردع والقدرة على التحمل.

لقد أعد القادة والقيادات العسكرية الإيرانية لهذا التصعيد المباشر لسنوات، مدركين أن طموحاتهم الإقليمية قد تؤدي حتماً إلى مواجهة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، وغالباً ما تجر الطرف الآخر معها، وهو نمط ظهر جلياً في التصعيد السابق. وفي الجولة الحالية، أطلقت الأطراف ضربات متزامنة.

في ظل التفوق التكنولوجي والاستخباراتي والعتاد العسكري المتقدم للولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو من السذاجة الاعتقاد بأن الاستراتيجيين الإيرانيين يخططون لانتصار سهل في ساحة المعركة. وبدلاً من ذلك، استثمرت إيران بشكل مكثف في قدرات الصواريخ الباليستية متعددة الطبقات، والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، وشبكة من المجموعات المسلحة المتحالفة عبر المنطقة خلال العقد الماضي.

تدرك طهران حدودها؛ فالأراضي الأمريكية الرئيسية خارج متناولها، لكن القواعد الأمريكية في المنطقة، خاصة في الدول العربية المجاورة، ليست كذلك. كما أن إسرائيل تقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات الإيرانية، وقد أثبتت التبادلات الأخيرة إمكانية اختراق أنظمة الدفاع الجوي. وكل قذيفة تخترق هذه الأنظمة تحمل وزناً نفسياً بقدر وزنها العسكري.

يعتمد الحساب الإيراني جزئياً على اقتصاديات الحرب؛ فمنظومات الاعتراض المستخدمة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة أغلى بكثير من العديد من الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية ذات الاستخدام الواحد. وبالتالي، فإن الصراع المطول يجبر الخصوم على استهلاك أصول عالية القيمة لاعتراض تهديدات منخفضة التكلفة نسبياً. ويشكل مضيق هرمز، كأحد أهم نقاط الاختناق لشحنات النفط والغاز، رافعة اقتصادية أخرى، حيث أن التهديدات الموثوقة والتعطيل المحدود كفيل برفع الأسعار وزيادة الضغط الدولي لخفض التصعيد.

في هذا السياق، يصبح التصعيد أداة لرفع تكلفة استمرار الحرب بدلاً من هزيمة الخصوم عسكرياً. وتأتي الضربات على دول مجاورة مثل قطر والإمارات والكويت وعمان والعراق كإشارة إلى أن استضافة القوات الأمريكية ينطوي على مخاطر. ورغم أن طهران قد تأمل أن تضغط هذه الحكومات على واشنطن لوقف العمليات، إلا أن هذا رهان خطير قد يؤدي إلى تصلب العداء ودفع هذه الدول للانحياز بقوة أكبر للمعسكر الأمريكي الإسرائيلي، مما يعمق عزلة إيران الإقليمية على المدى الطويل.

إذا كانت الغاية هي البقاء، فإن توسيع دائرة الأعداء يمثل خطوة محفوفة بالمخاطر، لكن من منظور طهران، قد يبدو التقييد أيضاً محفوفاً بالمخاطر لأنه قد يُفسر كضعف. وتثير التقارير حول منح القادة المحليين صلاحية نسبية لاختيار الأهداف أو إطلاق الصواريخ تساؤلات إضافية؛ ففي العقيدة العسكرية الإيرانية، خاصة داخل الحرس الثوري، هناك عناصر لامركزية لضمان الاستمرارية تحت الهجوم المكثف، مما يوفر حماية ضد عمليات "شلّ القيادة" في ظل استهداف القيادات العليا وتعرض شبكات الاتصالات للتشويش.

في نهاية المطاف، يرتكز النهج الإيراني على الاعتقاد بأنها قادرة على تحمل العقاب لفترة أطول مما يستطيع خصومها تحمل الألم والتكاليف. وهذا يمثل تصعيداً محسوباً يهدف إلى الصمود والانتقام وتجنب الانهيار الكلي، انتظاراً لظهور تصدعات سياسية لدى الجانب الآخر. ومع ذلك، فإن قدرة التحمل لها حدود؛ فمخزونات الصواريخ محدودة وخطوط الإنتاج تتعرض للاستهداف، بينما يعتمد الخصوم أيضاً على افتراض أن الزمن في صالحهم، وهو افتراض لا يمكن أن يكون صحيحاً لكلا الطرفين في آن واحد.