الجماعة وتهديد جيوسياسي مباشر لأمن الطاقة العالمي | جبهة اليمن تشتعل.. إسرائيل تتوعد الحوثيين بـ"ثمن باهظ" وتتمسك بأولوية "تفكيك" القدرات الإيرانية |
القدس المحتلة | في تطور دراماتيكي لمسار المواجهة الإقليمية، دخلت مليشيات الحوثي في اليمن رسمياً خط الصراع المباشر ضد إسرائيل، عبر إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة استهدفت العمق الجنوبي للمنطقة. ورغم هذا التصعيد، تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية متمسكة بـ"برود أعصاب" تكتيكي، حيث ترفض الانجرار إلى تشتيت جهودها بعيداً عن هدفها المركزي: تقويض الآلة العسكرية الإيرانية.
هجوم من مسافة 2000 كيلومتر.. والاعتراض سيد الموقف
أعلن الجيش الإسرائيلي عن رصد واعتراض صاروخ باليستي أُطلق من اليمن باتجاه الجنوب في ساعات الصباح الأولى، تبعه اعتراض صاروخ "كروز" (جوال) لاحقاً. وأكدت المصادر العسكرية أن منظومات الدفاع الجوي تعاملت مع التهديدات بنجاح، دون الحاجة لتفعيل صفارات الإنذار، تماشياً مع سياسة اعتراض التهديدات بعيداً عن المناطق المأهولة.
"فخ التشتيت".. لماذا يتريث الجيش الإسرائيلي؟
نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول عسكري رفيع قوله إن "انضمام الحوثيين بعد شهر من اندلاع الحرب مع إيران لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً ومدرجاً ضمن خطط الطوارئ". وأضاف المسؤول:
"الحوثيون يحاولون تشتيت انتباهنا وتخفيف الضغط عن طهران التي تترنح تحت ضرباتنا. لسنا مرتبكين؛ سنواصل دكّ إيران بكل قوتنا، وسنختار الوقت والمكان المناسبين لتأديب الحوثيين. سيدفعون الثمن حتماً".
وتشير التحليلات العسكرية إلى أن إسرائيل تتبنى حالياً سياسة "الاقتصاد في القوة"، متجنبةً فتح جبهة ثالثة واسعة (بعد إيران ولبنان) بانتظار استكمال أهدافها الاستراتيجية في الداخل الإيراني.
خنق "رئة" الاقتصاد العالمي: السيناريو الأسوأ
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "معاريف"، لا يقتصر القلق الإسرائيلي على الصواريخ العابرة للحدود، بل يمتد إلى الأمن البحري. تدرس المؤسسة الأمنية احتمالية إقدام الحوثيين على تعطيل حركة الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر، مما قد يؤدي إلى:
1. تهديد إمدادات الطاقة العالمية ورفع أسعار النفط.
2. عسكرة الممرات المائية الدولية وتحويلها إلى ساحة حرب مفتوحة.
3. استنزاف القوات الجوية الإسرائيلية في مهام حماية بعيدة المدى (نحو 2000 كم).
زلزال في طهران: تدمير 70% من الصناعات العسكرية
بينما تنشغل الجبهات الثانوية بالمناوشات، تواصل إسرائيل تنفيذ ما تشبه "العملية الجراحية الكبرى" في قلب إيران. وصرح المتحدث باسم الجيش، إيفي دفرين، بأن القوات الجوية بصدد الانتهاء من شلّ كافة الأصول الحيوية للصناعات العسكرية الإيرانية خلال أيام قليلة.
أبرز ملامح الاستهداف الإسرائيلي لإيران:
• الخسائر الحالية: تدمير نحو 70% من البنية التحتية للتصنيع العسكري.
• الأهداف القادمة: رفع نسبة التدمير إلى 90% خلال الأيام القليلة المقبلة.
• النطاق: شملت الضربات مصانع الصواريخ الباليستية، مختبرات تطوير المسيرات، ومنشآت إنتاج أنظمة الدفاع الجوي وأقمار التجسس.
الخلاصة الاستراتيجية
تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة معقدة؛ فبينما يضغط الحوثيون لتغيير قواعد اللعبة بطلب مباشر من "نظام طهران المأزوم"، تصر تل أبيب على أن "رأس الأفعى" هو الهدف الأول. ومع ذلك، فإن التاريخ العسكري الإسرائيلي يؤكد أن الصمت الحالي تجاه اليمن قد يكون "الهدوء الذي يسبق العاصفة"، خاصة مع امتلاك القوات الجوية خبرة سابقة في ضرب أهداف حوثية بعيدة المدى بطائرات متقدمة.
الأبعاد الاقتصادية والسياسية لهذا التصعيد، وكيف يتقاطع "خناق" الداخل الإيراني مع "تهديد" المضايق الحيوية:
1. زلزال أسواق الطاقة: النفط في مرمى "المسيرات"
دخول الحوثيين الحرب ليس مجرد رسالة عسكرية، بل هو تهديد جيوسياسي مباشر لأمن الطاقة العالمي. إذا قرر الحوثيون نقل المعركة من "قصف المدن" إلى "خنق الممرات"، فسنواجه السيناريوهات التالية:
• مضيق باب المندب وقناة السويس: يمر عبر هذا الممر نحو 10% من التجارة العالمية و9% من النفط المنقول بحراً. أي تعطيل يعني قفزة فورية في أسعار النفط (برنت) قد تتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين وتغيير مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح.
• سوق الغاز المسال: قطر والإمارات تعتمدان على هذه الممرات لتصدير الغاز إلى أوروبا؛ وفي ظل الأزمة الطاقوية الحالية، فإن أي تهديد حوثي سيعني "شتاءً قارساً" سياسياً واقتصادياً للقارة العجوز.
• سلاح "تشتيت الأسواق": تدرك إيران أن الضغط على عصب الاقتصاد العالمي هو الورقة الوحيدة المتبقية لتخفيف الضغط العسكري الإسرائيلي عليها، مما يجعل الحوثيين "أداة مقايضة" اقتصادية بامتياز.
2. المأزق السياسي الأمريكي: بين "الاحتواء" و"الانهيار"
يتسارع المسار السياسي الأمريكي مع إيران في وقت حرج جداً، وهذا التصعيد يضع واشنطن أمام معضلة معقدة:
• تآكل الردع: فشل الدبلوماسية الأمريكية في كبح جماح أذرع إيران (الحوثيين) يظهر واشنطن بمظهر العاجز أمام حلفائها الإقليميين، مما قد يدفع دول المنطقة لاتخاذ سياسات "أحادية" لحماية أمنها.
• اتفاق تحت النار: تحاول إدارة واشنطن الوصول لتفاهمات مع طهران لتهدئة الجبهات، لكن "الاستراتيجية الإسرائيلية" التي دمرت 70-90% من الصناعات العسكرية الإيرانية جعلت أي اتفاق سياسي قادم يرتكز على "إيران ضعيفة عسكرياً"، وهو ما ترفضه طهران وتحاول تغطيته عبر تصعيد الحوثيين.
• الانتخابات والداخل الأمريكي: أي ارتفاع جنوني في أسعار الوقود نتيجة تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر سيشكل ضربة سياسية قاصمة للإدارة الأمريكية الحالية أمام ناخبيها.
3. استراتيجية "تفكيك الأصول": ما وراء الـ 90%؟
عندما يتحدث الجيش الإسرائيلي عن تدمير 90% من القدرات الإنتاجية الإيرانية، فهو لا يقصد فقط المخازن، بل "سلاسل التوريد":
1. قطع الإمداد عن الوكلاء: بتدمير المصانع الأم في إيران، تجد مليشيات الحوثي وحزب الله نفسها أمام "مخزون محدود" غير قابل للتجديد، مما يحول هجماتهم من استراتيجية مستدامة إلى "طلقات أخيرة" يائسة.
2. تحييد التكنولوجيا: التركيز على "أقمار التجسس" والمنظومات السيبرانية يعني حرمان الحوثيين من "العين الإيرانية" التي توجه صواريخهم بدقة، مما يقلل من فاعلية هجماتهم مستقبلاً.
الخلاصة الاستراتيجية
نحن أمام سباق مع الزمن؛ إسرائيل تسابق لإنهاء المهمة في إيران قبل اضطرارها لفتح جبهة اليمن، وإيران تسابق لإشعال البحر الأحمر عبر الحوثيين لرفع تكلفة الحرب عالمياً وإجبار واشنطن على الضغط على تل أبيب لوقف ضرباتها.

