الأغلى عالمياً | كهرباء تعز.. كيف حوّلت هوامير "الإخوان" أصول الدولة إلى إقطاعيات استثمارية عابرة للقانون؟ | اعتراف رسمي يثقب جدار الصمت
لم تعد أزمة الكهرباء في مدينة تعز مجرد "تردٍ في الخدمات" ناتج عن تداعيات الحرب، بل تحولت إلى واحدة من أكبر عمليات "السطو الممنهج" على ممتلكات الدولة، حيث تدير قيادات عسكرية ونافذة محسوبة على تنظيم الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) إمبراطورية تجارية ضخمة تعتاش على أنقاض الشبكة العامة، وتجني أرباحاً خيالية من جيوب المواطنين المطحونين.
اعتراف رسمي يثقب جدار الصمت
فجّر وزير الكهرباء والطاقة، عدنان الكاف، قنبلة مدوية بتصريحاته الأخيرة التي أكدت خروج شبكة تعز الكهربائية تماماً عن سيطرة الدولة. الوزير لم يكتفِ بتشخيص العجز، بل وضع الإصبع على الجرح بتسمية الجناة؛ مشيراً إلى أن قيادات عسكرية نافذة تتقاسم السيطرة على الشبكات الحكومية، محولةً إياها إلى "ممتلكات خاصة" تُباع خدمتها بأسعار فلكية تتجاوز 1000 ريال يمني للكيلوواط الواحد، دون أن تورد فلساً واحداً إلى خزينة الدولة.
هيكلة الفساد: استغلال "الضغط المنخفض" لنهب المواطن
وفقاً لمراقبين وخبراء، فإن السيناريو المتبع في تعز يعكس نموذجاً فريداً من "خصخصة الفوضى". فبدلاً من الاستثمار في بنية تحتية جديدة، قامت هذه القيادات بـ:
• الاستيلاء على الأصول: وضع اليد على محطات التوليد والمحولات وشبكات الضغط العالي والمنخفض التابعة للمؤسسة العامة للكهرباء.
• تشغيل الشبكة المنهوبة: ربط مولدات تجارية خاصة بهذه الشبكات الجاهزة، مما وفر عليهم تكاليف التأسيس، وحوّل ممتلكات الشعب إلى قنوات لنقل أرباحهم الخاصة.
• فرض واقع احتكاري: منع أي محاولات حكومية لترميم الشبكة أو إعادة تشغيل محطة "عصيفرة" الاستراتيجية، لضمان استمرار تدفق أموال "السوق السوداء" للكهرباء.
أرقام موجعة.. الكهرباء الأغلى عالمياً
تحت سطوة هذا "الكارتيل" العسكري التجاري، يجد سكان تعز أنفسهم أمام فاتورة هي الأغلى عالمياً. حيث يضطر المواطن لدفع نحو 1.5 دولار (1500 ريال) للكيلوواط الواحد للمنازل، وهو رقم يفوق قدرة الأسر التي تعيش تحت خط الفقر.
"ندفع 60 ألف ريال شهرياً مقابل إضاءة بضعة مصابيح فقط"، هكذا لخص مواطنون مأساتهم، مؤكدين أن غياب الدولة المتعمد هو الذي منح هؤلاء القادة الضوء الأخضر لامتصاص دماء البسطاء.
شهادة من الداخل: 0.5% فقط للدولة!
يصف مستشار مدير عام كهرباء تعز، المهندس عبدالكريم البركاني، الوضع بـ"المزري"، كاشفاً عن حقائق صادمة؛ إذ يوضح أن أصحاب المحطات التجارية ينهبون الشبكة العامة علانية، بينما لا تتجاوز النسبة التي يتم توريدها لمؤسسة الكهرباء من هذه المبيعات الضخمة 0.5% فقط، وهي نسبة "ذر الرماد في العيون" لتمرير الصفقات المشبوهة.
محطة "عصيفرة": الحل المسجون في زنازين النفوذ
رغم وجود دراسات فنية جاهزة لصيانة مولدات محطة "عصيفرة" لتوليد 13 ميغاواط كفيلة بكسر احتكار التجاريين وتغطية أحياء واسعة بنظام المناوبة، إلا أن هذه الخطط تُقابل بـ"فيتو" من مراكز القوى العسكرية والسلطة المحلية.
ويؤكد مختصون أن مدينة تعز تحتاج إلى 40 ميغاواط فقط لإنهاء الأزمة، وهو رقم ليس بالمستحيل، لكن "إرادة النهب" تعطل "إرادة الحل".
الخلاصة: دولة غائبة وعصابات حاضرة
منذ عام 2015، لم تتلقَ مؤسسة كهرباء تعز أي ميزانية تشغيلية أو قطع غيار من الحكومة أو السلطة المحلية، مما يكشف عن تواطؤ يهدف إلى ترك الساحة خالية لـ"إمبراطورية الإخوان التجارية". إن تحويل مرفق سيادي كالكهرباء إلى وسيلة للثراء العسكري لا يمثل فساداً إدارياً فحسب، بل هو "جريمة حرب ناعمة" تُمارس ضد مدينة محاصرة من الخارج (بالحوثيين) ومنهوبة من الداخل (بالنافذين).
يبقى التساؤل القائم: هل تتحرك الحكومة الشرعية لاستعادة "سيادة التيار"، أم أن تصريحات الوزير الكاف ستبقى مجرد اعتراف بالعجز أمام سطوة السلاح والمصالح؟

