تابعنا

3 قنابل فجّرت الأسواق هذا العام | عيد بلا أضحية.. كيف حوّل الغلاء الفاحش شعائر "الأضحى" في تعز من فرحة إلى كابوس؟

3 قنابل فجّرت الأسواق هذا العام | عيد بلا أضحية.. كيف حوّل الغلاء الفاحش شعائر "الأضحى" في تعز من فرحة إلى كابوس؟

تعز | تحقيق ميداني: محرم الحاج

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تحولت أسواق الماشية في مدينة تعز المحاصرة إلى ساحات لصدمات سعرية غير مسبوقة، واقتربت معها أحلام البسطاء من التبخر تماماً. في هذا المشهد القاتم، يقف المواطن وحيداً ومكشوفاً بلا مظلة حماية، في مواجهة سوق مفتوح لسرعة الجشع وغياب الرقابة الرسمية، ليتحول "خروف العيد" من شعيرة دينية ورمز للبهجة إلى مؤشر عجز يثقل كاهل الأسر.

بالأرقام.. بورصة أسعار صادمة تقفز بـ 40%

جولة ميدانية استقصائية أجريت في "سوق التحرير الأسفل" كشفت عن قفزات جنونية في الأسعار مقارنة بالعام الماضي بنسبة تصاعدية بلغت نحو 40%. وجاءت قائمة الأسعار لتضع حدًا فاصلاً بين الفقراء والفرحة:

الخروف البلدي: يتأرجح بين 200,000 إلى 300,000 ريال يمني.

الماعز (البلدي): يقفز إلى ما بين 250,000 إلى 350,000 ريال يمني.

الثور الحبشي (المستورد): يسجل رقماً فلكياً يتراوح بين 1.5 مليون إلى 2 مليون ريال يمني.

هذه الأرقام الفلكية دفعت الكثير من أرباب الأسر إلى إطلاق تنهيدات مريرة، حيث لخص بعضهم المشهد قائلين: "خروف العيد هذا العام سيختزل في دجاجة، أو كيلو لحم بـ 20 ألف ريال نشتريه صباح العيد إن استطعنا.. العيد في تعز بات يُقاس بالجرام لا بالنية".

صرخات من رصيف العجز: "فرحتنا مدفونة"

خلف الأرقام والأسعار تكمن حكايات إنسانية مثقلة بالوجع؛ خالد الصبري (أب لستة أفراد) يروي تجربته بمرارة قائلاً: "ذهبت إلى السوق ككل عام لأشتري أضحية تدخل السرور على قلوب أطفالي، لكن الأسعار صدمتني في مقتل، وعدت إلى منزلي خالي الوفاض مكسور الخاطر".

من جانبه، يتحدث عادل الشميري بنبرة يسكنها الأسف: "اعتَدت في كل سنة أن أذبح أضحيتي وأوزع منها على الأقارب والفقراء. هذا العام، أصبحت الأضحية بعيدة المنال ومستحيلة، فرحة العيد قُتلت في مهدها".

التجار في قفص الاتهام: "نحن ضحايا لسلسلة مكسورة"

على المقلب الآخر، لا ينكر تجار المواشي هذا الارتفاع الجنوني، لكنهم يرفضون تحمل دور "الجاني"، ويرمون بالكرة في مرمى أسباب هيكلية يعتبرون أنفسهم ضحايا لها، وتتلخص في ثلاثة عوامل:

1. جنون أسعار الأعلاف: حيث بلغت تكلفة تربية رأس الماشية الواحد (بين "العجور" و"الطريح") قرابة 50,000 ريال.

2. مقصلة الجبايات والطرق: النقل من المحافظات الأخرى يمر عبر سلسلة من النقاط الممتدة التي تفرض إتاوات وجبايات غير قانونية، ترفع التكلفة الإجمالية للرأس قبل وصوله إلى ساحة البيع.

3. هجرة الرعاة: عزوف الكثير من مربي الماشية عن المهنة وتحولهم إلى أعمال أخرى داخل المدينة بعد أن بات العائد لا يغطي كلفة الخسائر اليومية.

لسان حال أحد تجار سوق التحرير: "الرأس الذي كنا نبيعه بـ 200 ألف أصبحنا نشتريه بـ 250 ألفاً، والثور قفز فجأة من المليون إلى مليونين.. نحن نشتري الغلاء ونبيعه مضطرين".

غياب رسمي مطبق ومخاطر صحية تلوح في الأفق

في محاولة لوضع الجهات المعنية أمام مسؤوليتها، حاولنا التواصل مع الجهات الرسمية المسؤولة عن ضبط الأسواق والرقابة البيطرية في المحافظة، لكن النتيجة كانت المعتاد: هواتف مغلقة وصمت مطبق.

هذا الغياب التام للسلطة المحلية لا يعني فقط ترك الأسواق بلا سقف سعري، بل يفتح الباب أمام كارثة صحية؛ فالأسواق تفتقر تماماً للفرق البيطرية التي تفحص سلامة المواشي، ما يهدد آلاف الأسر التي قد تضطر للشراء والذبح دون فحص طبي يضمن سلامة اللحوم.

3 قنابل فجّرت الأسواق هذا العام

يرجع خبراء ومراقبون هذا التوحش السعري إلى انفجار ثلاث أزمات متزامنة:

1. سحق الدخل المعيشي: رواتب منقطعة أو متآكلة، ودخل يومي لا يكاد يغطي ثمن الخبز والماء.

2. تكلفة الإنتاج المتصاعدة: ارتهان أسعار الأعلاف والنقل بانهيار الريال اليمني المستمر أمام العملات الأجنبية.

3. فراغ السلطة ورقابة "الصفر": غياب كامل لأي دور حمائي أو تسعيري من قبل مكاتب الصناعة والتجارة لردع المضاربين.

خارطة إنقاذ عاجلة: ما الذي يجب فعله الآن؟

عندما يتحول شراء الأضحية إلى معجزة، فإن الأزمة تتجاوز بعدها الاقتصادي لتهدد السلم الاجتماعي والشعائر الدينية، ولتلافي تحول العيد إلى جنازة للفرح، يضع هذا التحقيق أربع مطالبات عاجلة أمام السلطة المحلية:

أولاً: إصدار تسعيرة إجبارية وعادلة للأضاحي البلدية من قِبل مكتب الصناعة والتجارة مع تحديد هامش ربح معقول.

ثانياً: نزول فوري ومكثف لفرق الرقابة البيطرية إلى الأسواق لحماية المستهلك من المواشي المريضة أو الهزيلة.

ثالثاً: إنشاء أسواق مركزية ومنافذ بيع مدعومة عبر شراكة حقيقية بين الغرفة التجارية والمبادرات المجتمعية.

رابعاً: الكشف العلني عن تكاليف النقل والجبايات المفروضة في النقاط ومحاسبة الجهات التي تبتز بائعي المواشي.

إذا استمر صمت الجهات المعنية وتواطؤها بالغياب، فإن عيد الأضحى في تعز سيُنتزع قسراً من قلوب البسطاء، ليتحول من عرس ديني جامع إلى "امتياز طبقي" يحتكره الأغنياء دون سواهم.

تنويه: الأرقام والشهادات الواردة في هذا التقرير تعكس واقع حركة البيع والشراء في سوق التحرير الأسفل بمدينة تعز حتى تاريخ 16 مايو 2026.*