مجاعة عام 2026: أوراق الشجر المسلوقة.. الملاذ الأخير لإنقاذ أطفال نازحي تعز من الموت جوعاً
تعز | تقرير استقصائي خاص:
في مشهدٍ صادم يعيد التذكير بأسوأ مجاعات التاريخ البشري، وفي وقتٍ تدخل فيه الأزمة اليمنية عامها الحادي عشر على التوالي، لم يعد شبح المجاعة مجرد تحذير يتردد في أروقة الأمم المتحدة، بل تحول إلى واقع يلتهم أجساد الملايين. فمع الجفاف الحاد في التمويل الدولي، هبطت مستويات المعيشة بالنازحين في مخيمات تعز إلى حدّ الاعتماد على "أوراق الشجر" كوجبة وحيدة للبقاء على قيد الحياة.
التقرير الصادم الذي نشرته وكالة الصحافة الفرنسية (AFP)، سلّط الضوء على تفاقم غير مسبوق للمأساة الإنسانية التي خلّفتها الحرب المستمرة لمليشيا الحوثي الإرهابية منذ عام 2015، عارضاً تفاصيل مروعة من داخل مخيمات النزوح الأشد بؤساً.
شهادة من قلب الجحيم: "الملح" نكهة بديلة للحوم المنسية
في مخيم "المنيج" القابع على أطراف مدينة تعز المحاصرة، تتجسد الكارثة في قصة المسنة سعيدة محمد (65 عاماً). تعيش سعيدة مع ابنتيها المطلقتين وستة من أحفادها داخل خيمة متهالكة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، لكن كفاحها الأكبر يدور حول تأمين وجبة يومية تسد رمق الصغار.
وتحت وطأة غياب تام للدخل وتوقف المساعدات، تخرج الستينية يومياً لجمع أوراق الشجر الخضراء القاسية، ثم تعود لغليها في وعاء بدائي فوق بضع حطبات.
تقول سعيدة للوكالة الفرنسية بغصة تخنق الأنفاس: "لا نملك شيئاً على الإطلاق، أطبخ هذه الأوراق وأضيف إليها القليل من الملح لتهدئة جوع الأطفال.. أما اللحوم فقد نسينا طعمها وشكلها منذ زمن طويل، وأكبر أمانينا الآن هي الحصول على كسرة خبز".
تسمم وأمراض.. ثمن البقاء على قيد الحياة
هذا الغذاء البدائي القاتل، الذي تفرضه الظروف على أطفال المخيم، لا يمر دون ثمن صحي فادح؛ حيث أفاد التقرير بأن أحفاد سعيدة وغيرهم من أطفال المخيم يعانون من اضطرابات معوية وموجات إسهال حادة ومتكررة نتيجة عدم قدرة أجسادهم الغضة على هضم ألياف أوراق الشجر، وسط غياب تام للرعاية الطبية والأدوية، مما يجعلهم فريسة سهلة لسوء التغذية الحاد والوخيم.
لغة الأرقام: جفاف التمويل الدولي ومقصلة المساعدات
تأتي هذه الفاجعة كأثر مباشر لقرار برنامج الأغذية العالمي (WFP) والمؤسسات الدولية بتقليص ثم تعليق المساعدات الغذائية الطارئة عن ملايين المستفيدين منذ أكثر من ستة أشهر، جراء العجز التمويلي الحاد ونقص المنح الدولية الموجهة لليمن.
هذا الانحدار المخيف في الدعم الدولي ترك المخيمات – التي تعتمد بنسبة 100% على الإغاثة الخارجية – تواجه مصيرها بمفردها أمام ثنائية الجوع والمرض.
خلاصة واستشراف:
إن وصول العائلات النازحة في تعز إلى مرحلة قضم أوراق الشجر المغلية لعام 2026، هو إدانة صارخة للصمت الدولي العاجز أمام تعنت المليشيا الحوثية التي تواصل حصار المدينة وخنق اقتصادها، كما أنه إنذار أخير للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية؛ فإما تحرك فوري لضخ تمويلات إغاثية عاجلة تعيد تشغيل شريان المساعدات، أو الاستعداد لتوثيق فاجعة إنسانية كبرى تحصد أرواح آلاف الأطفال والنساء صامتين داخل خيامهم.

