تابعنا

لابتزاز العالم | تهديدات بالاغلاق .. عسكرة المضايق وعقيدة الابتزاز: طهران تحوّل "باب المندب" إلى رهينة جيوسياسية عبر الوكيل الحوثي | معادلة قاآني

لابتزاز العالم | تهديدات بالاغلاق .. عسكرة المضايق وعقيدة الابتزاز: طهران تحوّل "باب المندب" إلى رهينة جيوسياسية عبر الوكيل الحوثي | معادلة قاآني

عواصم : 

في مؤشر جديد على اتساع رقعة "حرب الممرات" وتحويل الاقتصاد العالمي إلى ساحة للمساومة السياسية والعسكرية، عادت إيران لتلوح بورقة الممرات البحرية الاستراتيجية كأداة ضغط قصوى. وجاءت التهديدات الإيرانية الأخيرة لتؤكد النوايا المبيتة لإعادة إشعال فتيل التوترات في البحر الأحمر عبر ذراعها المسلحة في اليمن (مليشيا الحوثي)، من خلال التلويح صراحةً بتحويل مضيق باب المندب إلى منطقة اضطراب أمني مستدام، ومحاكاة سيناريو خنق مضيق هرمز الذي شهد خلال الأشهر الماضية شللاً واسعاً وهجمات إيرانية متكررة استهدفت سفن الشحن وحركة التجارة الدولية.

معادلة قاآني: ربط باب المندب بـ "خنق" هرمز

أطلق قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، تصريحات حملت نبرة تصعيدية غير مسبوقة، حيث ربط استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان -المدعومة أمريكياً- بذهاب ما يسمى "محور المقاومة" نحو اتخاذ خطوات ميدانية متقدمة، لجعل حركة عبور السفن في مضيق باب المندب مطابقة للوضع المتوتر القائم في مضيق هرمز.

ولم تتعامل الدوائر السياسية والعسكرية الدولية مع تصريح قاآني -الذي بثته وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية- باعتباره مجرد مناورة خطابية أو موقف سياسي عابر؛ بل صنفه مراقبون كـ "أمر عمليات علني" وإشارة ضوء أخضر لإعادة تفعيل الهجمات الحوثية ضد السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر، بعد فترة من التراجع النسبي ومحاولة المليشيا إعادة ترتيب صفوفها اللوجستية.

المنظور الإيراني للتصعيد: يرى قاآني أن ما يصفه بـ"الاعتداءات الإسرائيلية" سيدفع طهران وحلفاءها لتوسيع نطاق المواجهة ليشمل الشرايين البحرية الحيوية التي يعتمد عليها نظام التجارة العالمي، مستخدماً الجغرافيا اليمنية المطلة على الساحل كمنصة لإرساء معادلة ردع جديدة تخدم المصالح الإقليمية لطهران وحدها.

جغرافيا الخنق: كيف تحوّل إيران الممرات الدولية إلى أوراق مساومة؟

تكشف القراءة الاستراتيجية للتصريحات الإيرانية المتلاحقة عن سعي قادة الحرس الثوري إلى عسكرة مضيق باب المندب -الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي- وتحويله إلى ساحة "ابتزاز بـالوكالة". ويمثل هذا المضيق عنق الزجاجة لحركة الملاحة الدولية، حيث يمر عبره نحو 12\% من إجمالي التجارة العالمية، وجزء رئيسي من إمدادات النفط والغاز المسال المتجهة من الخليج العربي نحو الأسواق الأوروبية والغربية.

 

ويحذر خبراء ملاحة دوليون من أن خطورة جعل باب المندب شبيهًا بمضيق هرمز تكمن في "البيئة الأمنية الهشة" المحيطة باليمن؛ فأي اضطراب في باب المندب يترتب عليه فوراً تغيير مسارات السفن العملاقة نحو طريق "رأس الرجاء الصالح"، مما يعني مضاعفة كلفة الشحن، وتأخر سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار السلع عالمياً بشكل يفوق تداعيات أزمة هرمز المعزولة.

جدول زمني للتهديدات الإيرانية المتصاعدة (ربيع 2026)

تصريحات قاآني لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت تتويجاً لسلسلة من التهديدات الممنهجة التي أطلقتها القيادات الإيرانية عقب جولات المواجهة المباشرة والضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت العمق الإيراني في شهري مارس وأبريل الماضيين:

مطلع أبريل 2026: لوّح مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، بإمكانية إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب بالتزامن، معتبراً الممرين "ساحة معركة موحدة".

7 أبريل 2026: نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر إيرانية مسؤولة تحذيرات من تعطيل كامل للملاحة في البحر الأحمر عبر الأذرع الإقليمية إذا تمددت المواجهة مع واشنطن.

منتصف أبريل 2026: ألمح قائد مقر "خاتم الأنبياء"، علي عبد اللهي، إلى قدرة بلاده على شل حركة التجارة الدولية في البحر الأحمر، في إشارة واضحة لاستخدام كارت الحوثيين.

الحوثيون كأداة "إنكار وابتزاز" خارج الحدود

يمتلك الحوثيون ترسانة عسكرية ضخمة جرى تهريبها وتطويرها بإشراف مباشر من خبراء الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، تشمل صواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة بعيدة المدى، وزوارق مفخخة موجهة عن بعد، ناهيك عن الألغام البحرية الذكية.

ويرى محللون سياسيون أن طهران لا تبحث عن "إغلاق مادي ومحكم" للمضيق -كونها لا تملك القدرة القانونية أو العسكرية المباشرة لفرض ذلك دون صدام كوني- وإنما تعتمد استراتيجية "الإنكار اللامسؤول". وتقوم هذه السياسة على جعل بيئة الملاحة البحرية في البحر الأحمر عالية المخاطر وغير آمنة للاستثمار عبر هجمات مباغتة يشنها الحوثيون، ومن ثم تتملص طهران من المسؤولية القانونية والدولية وتقدم نفسها كطرف قادر على "تهدئة" الوكيل اليمني مقابل تنازلات سياسية واقتصادية في ملفاتها الشائكة مع الغرب.

خلاصة واستشراف

تضع هذه المعطيات المجتمع الدولي أمام حقيقة راسخة: أن أمن الملاحة في البحر الأحمر ليس ملفاً محلياً مرتبطاً بالصراع اليمني، بل هو امتداد مباشر للعقيدة الأمنية الإيرانية القائمة على تصدير الأزمات. ومع استمرار التصعيد الإقليمي، يبدو أن البحر الأحمر يتأهب لفتح فصل جديد من الاضطرابات؛ فإذا ما قررت طهران ترجمة تهديداتها الشفهية إلى خطوات ميدانية عبر ذراعها الحوثية، فإن العالم سيكون على موعد مع أزمة اقتصادية وأمنية تتجاوز شواطئ اليمن لتضرب قلب الأسواق العالمية.