تابعنا

اليمن | 15 عاماً على تفجير "جامع الرئاسة": الجريمة الإخوانية التي عبدت طريق الحوثيين لإنهاء الدولة اليمنية

اليمن | 15 عاماً على تفجير "جامع الرئاسة": الجريمة الإخوانية التي عبدت طريق الحوثيين لإنهاء الدولة اليمنية

صنعاء | 

تتزامن اليوم الذكرى الخامسة عشرة لواحد من أبشع وأخطر فصول الإرهاب السياسي في تاريخ اليمن الحديث؛ جريمة تفجير "جامع دار الرئاسة" (جامع النهدين) في العاصمة صنعاء، والتي نُفذت في الثالث من يونيو/حزيران 2011. لم تكن هذه العملية الغادرة مجرد محاولة اغتيال عابرة، بل كانت ضربة استراتيجية جرى التخطيط لها بعناية فائقة في الغرف المغلقة لتنظيم الإخوان المسلمين، مما أحدث شرخاً عميقاً في بنية النظام الجمهوري، واستغلته ميليشيا الحوثي الإرهابية لاحقاً لتقويض الدولة واختطاف عاصمتها.

واستهدفت الجريمة قيادة الدولة بأكملها أثناء تأديتهم لصلاة الجمعة، وأسفرت عن مقتل 14 ضابطاً ومسؤولاً رفيعاً، في مقدمتهم رئيس مجلس الشورى الراحل عبد العزيز عبد الغني، بالإضافة إلى إصابة كبار أركان الدولة بجروح بليغة شوهت أجسادهم، وكان أبرزهم الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، ورئيس مجلس القيادة الرئاسي الحالي الدكتور رشاد العليمي.

التفاصيل الجنائية: كيف زُرعت الفخاخ المتفجرة داخل بيت الله؟

تكشف شهادات ومحاضر تحقيقات الأجهزة الأمنية واللجان الفنية الجنائية عن تخطيط هندسي دقيق وعمل ميكانيكي معقد لضمان إبادة الصف الأول للدولة. وقام الجناة بزرع أربع عبوات شديدة الانفجار، تزن كل واحدة منها كيلوغرامين من المواد الكيميائية المركزة وسريعة الاشتعال، وجرى توزيعها على النحو التالي:

العبوتان الأولى والثانية: زُرعتا بدقة عن يمين وشمال منبر المسجد، بهدف استهداف واجهة الصف الأول مباشرة حيث كان يقف الرئيس صالح وكبار مسؤولي الدولة.

العبوة الثالثة: وضعت خارج مبنى الجامع لاستهداف الحراسة وقطع خطوط الإخلاء.

العبوة الرابعة (التي لم تنفجر): زُرعت بجوار خزان الغاز المركزي التابع لدار الرئاسة، والذي كان يحوي قرابة 1.8 طن من الغاز المسال. وكان الهدف من هذه العبوة إحداث انفجار تدميري شامل يطمس معالم دار الرئاسة بالكامل ويسوي كافة مبانيها بالأرض.

وجاء هذا الاختراق الأمني بعد لجوء تنظيم الإخوان إلى الخلايا النائمة المزروعة داخل الحرس الرئاسي، عقب فشل محاولتين سابقتين لاغتيال صالح؛ الأولى بواسطة قناص محترف، والثانية عبر انتحاري جرى إحباطه في اللحظات الأخيرة.

خيوط المؤامرة: من أدار الخلية ومن ومّل الصفقة؟

أماطت التحقيقات الأمنية اللثام عن أسماء وشبكات التمويل والتنفيذ، مشيرة إلى أدوار محورية لقيادات إخوانية بارزة:

هندسة المتفجرات: قاد الخلية ميدانياً القيادي الإخواني فضل صالح محمد ذيبان، الذي تولى مهام إدارة الأعضاء، وإعداد وتركيب الصواعق والمتفجرات، وتوزيع الأدوار الفنية داخل المسجد وغرفة خزان الغاز.

التمويل والدعم اللوجستي: أشارت التحقيقات إلى مسؤولية "آل الأحمر"، وفي مقدمتهم القيادي القبلي والمالي للإخوان حميد الأحمر، الذي تولى الإعداد والتخطيط الكلي والتمويل المالي للجريمة. واستُغلت شركة الهاتف النقال "سبأفون" المملوكة له في تفعيل دائرة اتصالات مغلقة مشفرة تبدأ بالأرقام (719)، جرى تخصيصها حصرياً لأعضاء الخلية للتنسيق وتفجير العبوات عن بُعد.

الصفقات المشبوهة: الحوثيون يفرجون عن قتلة النهدين

وعلى الرغم من نجاح الأجهزة الأمنية اليمنية آنذاك في القبض على عدد من المنفذين وإيداعهم السجن، إلا أن سقوط صنعاء بيد الميليشيا الحوثية عام 2014 كشف بوضوح عن عمق التخادم المشترك. ففي 18 أكتوبر/تشرين الأول 2019، أبرم الحوثيون صفقة تبادل علنية مع تنظيم الإخوان، أفرجت بموجبها الميليشيا عن المتهمين الرئيسيين في تفجير الرئاسة وهم: (إبراهيم الحمادي، شعيب البعجري، عبد الله الطعامي، غالب العيزري، ومحمد علي عمر)، مقابل تسلّم الحوثيين لـ 24 من مقاتليهم الأسرى، لتطوى واحدة من أخطر القضايا الجنائية بصفقة سياسية فضحت "تحالف الشر".

كيف خدمت الجريمة المشروع الإيراني في اليمن؟

حسم المجتمع الدولي ومجلس الأمن التوصيف القانوني للحادثة منذ الأيام الأولى، معتبراً إياها "عملاً إرهابياً غادراً استهدف اغتيال رمز الشرعية وجر البلاد نحو مستنقع الفوضى".

وفي هذا السياق، يرى القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام، رشاد الصوفي، أن حادثة تفجير النهدين لم تكن حدثاً معزولاً، بل كانت "المنعطف الاستراتيجي الأكثر خطورة في مسار التاريخ اليمني المعاصر"، وهي الشرارة التي نسفت التوازن السياسي الهش ووفرت بيئة خصبة مكنت المشروع الإيراني من التغلغل.

وأضاف الصوفي لـ"العين الإخبارية": "لقد وظفت ميليشيا الحوثي حالة السيولة الأمنية والشرخ الوطني والسياسي الذي أحدثه الإخوان بتفجير رأس الدولة، لتبدأ بالتحرك العسكري تحت لافتة المظلومية والاعتصامات، مستغلة انشغال القوى السياسية بصراعاتها البينية لتنقض في النهاية على العاصمة صنعاء، وتقوض النظام الجمهوري وثوابته، وهو ما يدفعه اليمنيون غالياً اليوم من دمائهم وسيادتهم".