الحرب الطائرة… رهان المجهول
علوي الباشا بن زبع *
هذه الحرب جوية بامتياز، ويمكن تسميتها بالحرب الطائرة والمتنقلة، وهذا يعطيها إمكانيات كبيرة في توسيع رقعة انتشارها، بين استهدافات نوعية وأخرى عشوائية، في إطار خطة كسر عظم لإيران من جهة، ومحاولة ردع إيراني منفلت من جهة أخرى.
تراهن الولايات المتحدة على تدمير بنية وقدرات النظام الإيراني، وخاصة استنزاف مخزونه الصاروخي والطائرات المسيّرة. وهو مخزون يبدو كبيرًا، والرهان على نفاده قريبًا رهان غير مضمون النتائج؛ فلدى إيران مخزون ضخم من الصواريخ والطيران المسيّر، وربما غالبية أجهزة الاستخبارات في العالم لا تعرف الكثير عنها.
إضافة إلى أن حرب القصف الجوي تجعل تقدير حجم تدمير مخزون العدو تقديرات غير دقيقة؛ فمن تجارب سابقة تبدو تقديرات التدمير الجوي -في ظل منهجية التخفي والتوزيع- غير مضمونة النتائج.
بالمقابل تراهن إيران على استنزاف منظومات الصواريخ الأمريكية لدى الولايات المتحدة ودول الخليج من جهة، وعلى زيادة الضغط على دول الخليج بما يجعلها ترمي بثقلها للتوسط لإخراج إيران من الورطة والذهاب إلى وقف إطلاق النار، حتى يستطيع نظام طهران لملمة جراحه واستعادة توازنه.
غير أن هذه الحسابات والرهانات ليست واقعية؛ فما لدى الأمريكيين ودول الخليج من الصواريخ المضادة يبدو مخزونًا كافيًا لاستنزاف إيران أكثر مما هي مستنزفة. كما أن التوسط لإيران للوصول إلى وقف الحرب لم يعد خيارًا سهلًا؛ فالحرب وصلت إلى نقطة اللاعودة — على الأقل بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل — إذ إن عدم كسر شوكة النظام الإيراني وإضعافه بشكل كبير سيجعله يخرج أقوى ويشكل خطرًا أكبر عليهما.
وبين هذا وذاك تحاول السعودية ودول الخليج استخدام أقصى درجات ضبط النفس أمام عدوان إيراني همجي على بلدانهم، مع صدّ الهجمات الإيرانية دون الدخول في هذه الحرب ما أمكن ذلك. ويعملون على إبقائها حرب الأمريكيين والإسرائيليين دون الانخراط المباشر فيها، مستفيدين من تجربتهم في حرب الولايات المتحدة على العراق عام 2003، حين نجحت السعودية ودول الخليج في ترك الحرب تأخذ مداها دون الانخراط فيها مباشرة، بما في ذلك الاحتلال الأمريكي للعراق لعدة سنوات.
المشهد الأخير
لا شك أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الدائرة الآن ما تزال جوية وموجعة منذ دقائقها الأولى؛ بدءًا باستهداف المرشد الإيراني وأهم قيادات الصف الأول في الدولة، وحتى الضربات التي أفقدت النظام الإيراني التوازن والسيطرة، ودَفعت الحرس الثوري والقوات الإيرانية وبعض الأذرع الموالية إلى شن عمليات انتقامية عشوائية شملت غالبية الدول المحيطة بإيران، في مشهد درامي انتحاري يدل على أن مؤسسات الدولة هناك قد تعطلت من حيث القرار الميداني، لصالح المتشددين في الحرس الثوري والباسيج والقوات الإيرانية والميليشيات المساندة.
من الواضح أن حربًا من هذا النوع - وتأسيسًا على التعاطي الاستراتيجي الأمريكي مع حروب مماثلة - قد تكون ذاهبة إلى إسقاط النظام أو تغييره، والإتيان بنظام قابل للتعايش في المنطقة بخيارات أمريكية ليست معلومة الآن، وربما حتى لصنّاع القرار في واشنطن، لكنها ستُوجد لتحل مكان نظام الثورة القائم في إيران.
وقد يأتي هذا التغيير حتى من داخل النظام نفسه، ولكن بربطة عنق بدلًا من العمامة والجُبّة؛ سواء كان ذلك عبر تحرك شعبي مدعوم بالمعارضة، أو انقلاب عسكري من داخل النظام، أو حتى على ظهر الدبابة الأمريكية إذا لزم الأمر.
*عضو مجلس الشورى اليمني عضو البرلمان العربي

