"الأخ الأكبر" في صنعاء.. شبكة تجسس حوثية رقمية تخنق الخصوصية وتلاحق الحوالات المالية | هندسة القمع: من "الخدمة المدنية" إلى "غرف المخابرات"
نظام حوثي.. جاسوس إلكتروني يراقب الحسابات المالية والتحركات عبر الهاتف وأول ضحية امرأة بصنعاء
صنعاء | تقرير خاص
في تحول خطير نحو "الرقمنة القمعية"، كشفت شهادات حية ومعلومات استخباراتية مسربة عن ملامح نظام رقابي شمولي أرسته مليشيا الحوثي في العاصمة المختطفة صنعاء. النظام الذي يُوصف بـ "الجاسوس الإلكتروني"، يتجاوز مجرد المراقبة التقليدية ليتحول إلى شبكة أخطبوطية تربط بين أدق تفاصيل السجل المدني، الحركات المصرفية، والموقع الجغرافي للهواتف المحمولة.
اختراق "الجيميل" يبدأ من "محلات الصرافة"
لم تكن المواطنة (ن. م) تعلم أن استلامها حوالة مالية بقيمة 3,500 دولار (مخصصة لعلاج مريض) سيكون بمثابة تفعيل لإنذار أمني لدى أجهزة المليشيا. تروي الضحية -التي فرت لاحقاً نحو المناطق المحررة- أن استلام المبلغ أعقبه استدعاء فوري من "جهاز الأمن والمخابرات" الحوثي للتحقيق.
ولم يتوقف الأمر عند الاستجواب؛ بل تلى ذلك محاولات اختراق تقنية شرسة لحساباتها الشخصية على منصتي "جيميل" و"فيسبوك"، تزامنت بدقة مع وصول رموز تحقق (OTP) إلى هاتفها المرتبط بشبكات الاتصالات الخاضعة للمليشيا، مما يؤكد وجود تنسيق تقني عالي المستوى بين الأنظمة المالية وشركات الاتصالات وجهاز المخابرات.
هندسة القمع: من "الخدمة المدنية" إلى "غرف المخابرات"
تشير المصادر المطلعة إلى أن هذا النظام، الذي يُطلق عليه "التكامل المعلوماتي"، لم يكن وليد الصدفة. بدأ المشروع كفكرة مدنية لتنظيم البيانات عام 2013، لكن المليشيا اختطفته عام 2019 وأعادت هندسته أمنياً ليدخل حيز التنفيذ الفعلي في 2021.
آلية عمل النظام الموحد:
• الربط البنكي العميق: إلزام البنوك وشركات الصرافة بربط عملياتها لحظياً بقاعدة بيانات البنك المركزي في صنعاء، حيث يظهر ملف المستلم كاملاً بمجرد إدخال الرقم الوطني.
• الرصد الجغرافي: ربط نقاط التفتيش الأمنية بالنظام، مما يسمح للمسلحين في المداخل والمخارج بالتحقق من بيانات المسافرين وتحركاتهم عبر أجهزة لوحية (Tablets) مرتبطة بمركز القيادة.
• التحكم بالترددات: السيطرة الكاملة على الطيف الترددي للاتصالات، ما يتيح اعتراض الرسائل النصية وسرقة الحسابات الرقمية.
الحواجز الأمنية.. "نقاط فحص رقمية"
يؤكد (س. ي)، وهو سائق حافلة نقل بين المحافظات، أن نقاط التفتيش الحوثية استبدلت الكشوفات الورقية بأنظمة إلكترونية ذكية. ويقول: "يتم إيقاف الركاب وإخضاع هوياتهم للفحص الفوري؛ النظام يخبرهم بكل شيء: أين كان هذا الشخص، وما هي الحوالات التي استلمها، وهل هو مطلوب أمنياً أم لا".
بصمة أمنية لكل مواطن
يرى خبراء تقنيون ومراقبون أن المليشيا تسعى لبناء "ملفات أمنية رقمية متكاملة" لكل مواطن، تدمج بين:
1. البيانات البيومترية (السجل المدني والجوازات).
2. النشاط المالي (الحوالات والمدخرات).
3. السلوك الرقمي (الاتصالات والموقع الجغرافي).
إن هذا الاستخدام الممنهج للتكنولوجيا لتحويل الوظائف المدنية للدولة إلى أدوات تجسس يمثل انتهاكاً صارخاً للحق في الخصوصية، ويضع ملايين اليمنيين تحت مقصلة الابتزاز المالي والملاحقة الأمنية، محولاً صنعاء إلى سجن إلكتروني كبير يُدار بخوارزميات القمع.

