في اليمن | "استثمار فوق الفصول".. أسطح مدارس تعز تتحول إلى "إقطاعيات" لشركات الكهرباء الخاصة
تعز | تقرير استقصائي
في سابقة تثير القلق حول مصير الأصول العامة في اليمن، لم تعد أسطح المدارس الحكومية في مدينة تعز مجرد حواجز لحماية الطلاب من أشعة الشمس، بل تحولت إلى "منصات استثمارية" تدر الأموال لصالح شركات الطاقة الخاصة. هذا المشهد الجديد، الذي ينمو تحت ستار "سد العجز الخدمي"، يكشف عن نمط خطير من استغلال المرافق التعليمية في صفقات تجارية غامضة، تجري بعيداً عن أعين الرقابة وفي ظل صمت رسمي مريب.
مدارس أم محطات توليد؟
كشفت مصادر محلية في تعز عن تحويل أسطح مدارس عريقة، مثل مدرسة 26 سبتمبر في شارع المرور ومدرسة اليرموك في منطقة الدحي، إلى حقول شمسية ضخمة تابعة لشركة كهرباء خاصة تُدعى "الأنوار".
الشركة لا تكتفي بوضع ألواحها على مبانٍ مملوكة للدولة، بل تقوم بتوليد الطاقة وبيعها للمواطنين عبر شبكات توزيع تجارية، محولةً المرفق التعليمي إلى "رأس حربة" في نشاط ربحي بحت، وسط تساؤلات قانونية عن هوية الطرف الذي منح الضوء الأخضر لهذا التمدد.
"فتات الاستثمار" مقابل ملكية الدولة
المعلومات المتوفرة تشير إلى أن هذا الاستحواذ تم بناءً على تفاهمات وصفت بـ "الهشة وغير القانونية"، تضمنت تقديم الشركة لبعض المساعدات الرمزية للمدارس، مثل:
• تركيب كاميرات مراقبة أو أجهزة حاسوب محدودة.
• صرف مبالغ مالية ضئيلة لبعض الكوادر التعليمية تحت مسمى "حوافز".
ويرى مراقبون أن هذه "المنافع" لا تمثل سوى ذراً للرماد في العيون، مقابل حجم الأرباح التي تجنيها الشركة من استخدام المساحات الحكومية، وتعد انتهاكاً صارخاً لحرمة المؤسسات التعليمية التي يجب أن تظل بعيدة عن الصراعات الاستثمارية.
الفراغ المؤسسي.. بوابة "الخصخصة المقنعة"
يحذر ناشطون وحقوقيون من أن ما يحدث في تعز ليس مجرد "حل مؤقت" لأزمة الكهرباء، بل هو "انهيار تنظيمي" يسمح للقطاع الخاص بابتلاع البنية التحتية للدولة. إن غياب الإطار القانوني والشفافية في إبرام هذه العقود يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى:
1. أين تذهب عوائد الإيجار الفعلية لهذه الأسطح؟
2. من يتحمل المسؤولية في حال وقوع كوارث تقنية أو حرائق كهربائية داخل المدارس؟
3. كيف يُسمح لشركات تجارية بممارسة نشاط استثماري داخل بيئة يرتادها آلاف الطلاب يومياً؟
مخاوف السلامة والأمان
إلى جانب الجدل القانوني، تبرز قضية "الأمان الحيوي"؛ فوجود كميات ضخمة من ألواح الطاقة، والبطاريات، والتوصيلات الكهربائية المعقدة فوق رؤوس الطلاب يمثل قنبلة موقتة. وفي غياب أي إشراف فني من المهندسين الحكوميين أو معايير صيانة واضحة، تظل حياة الطلاب مهددة بأخطار التماس الكهربائي أو الحرائق الناجمة عن سوء التجهيز.
الخلاصة: تغول الاستثمار على حساب التعليم
إن تحول أسطح المدارس في تعز إلى محطات ربح يمثل "نقطة تحول" نوعية في كيفية إدارة الأصول العامة خلال الحرب. فبدلاً من أن تسعى السلطات المحلية لاستعادة قطاع الكهرباء الحكومي، يبدو أنها تبارك "قنص" الشركات الخاصة للمساحات العامة.
هذا الواقع يفرض ضرورة ملحة للتدخل من قبل الجهات الرقابية ووزارة التربية والتعليم لوقف هذا "العبث الاستثماري"، وضمان بقاء المدارس محاضن للعلم، لا ساحات لتوليد الأرباح لشركات لا تساهم في التنمية بقدر ما تستثمر في "أنقاض الدولة".

