تفكيك الرهان الخاسر: كيف فشلت استراتيجية "الإخوان" في اختراق القرار السعودي ومحاولة إزاحة طارق صالح؟
عدن | تقرير خاص وتحليلي
في قراءة سياسية عميقة لخلفيات وأبعاد التحركات الأخيرة في المشهد اليمني، فكّك الناشط والباحث السياسي، أنس الخليدي، خيوط ما وصفه بـ"الرهان الإخواني الخاسر" لمحاولة الالتفاف على القوى الوطنية الفاعلة، مؤكداً فشل الجماعة الذريع في اختراق السياسة السيادية للمملكة العربية السعودية، أو إحداث اختراق في بوصلة أولويات الرياض تجاه شركائها على الأرض، وفي مقدمتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي، قائد المقاومة الوطنية الفريق أول ركن طارق محمد عبد الله صالح.
١. وهم الوراثة السياسية وسوء تقدير "عقلية الدول"
وأوضح الخليدي، في قراءته التحليلية، أن جماعة الإخوان في اليمن سعت، عقب أحداث محافظة حضرموت في يناير الماضي، إلى التمهيد لخطة تهدف إلى وراثة النفوذ السياسي والعسكري لكل من "المجلس الانتقالي الجنوبي" و"المقاومة الوطنية في الساحل الغربي". واعتمدت الجماعة في ذلك على افتراض واهم يقضي بقدرتها على توجيه وهندسة القرار السعودي عبر أدوات الضغط الإعلامي والدعائي، وإعادة صياغة أولويات الرياض الإقليمية بما يتطابق مع أجندة التنظيم الخاصة.
وأشار الخليدي إلى أن الجماعة سقطت في خطأ استراتيجي قاتل يتمثل في "القصور المعرفي لطبيعة إدارة الدول وآليات اتخاذ القرار السيادي فيها"، مؤكداً أن الدول ذات الثقل الاستراتيجي لا تُدار بعقلية الغرف التنظيمية المغلقة، ولا تخضع لضغط الحملات الممنهجة أو الضجيج الإعلامي المؤقت، بل تتحرك وفق رؤى بعيدة المدى، وحسابات بالستية دقيقة في تقييم الشركاء واختيار الحلفاء على الأرض.
٢. الرياض وحصانة القرار: التمييز بين "عقل الدولة" و"عقل التنظيم"
وشدد الباحث السياسي على أن المملكة العربية السعودية، بما تملكه من إرث دبلوماسي عريق وتجربة تاريخية طويلة في التعامل مع حركات الإسلام السياسي والتنظيمات الأيديولوجية، ليست ساحة هشة للاختراق أو التوجيه كما توهمت الجماعة.
مفهوم الشراكة لدى الرياض:
"تدرك مراكز صنع القرار في الرياض جيداً الفارق الجوهري والنوعي بين رجل الدولة الذي يتحرك بمسؤولية وطنية ومؤسسية، وبين الكيانات التي تعمل بعقلية التنظيم السري والمصلحة الحزبية الضيقة."
وأضاف الخليدي أن الضخ الإعلامي المكثف والحملات المنظمة التي واكبت أحداث حضرموت، فشلت تماماً في تشويه أو زحزحة مكانة وصورة طارق صالح داخل الحسابات الاستراتيجية للتحالف العربي. والسبب في ذلك يعود إلى أن طارق صالح انطلق من زاوية مغايرة تماماً، واضعاً "معركة استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها المختطفة من قِبل المشروع السلالي المدعوم من إيران" كهدف وجودي وحيد لا يقبل المناورة.
٣. ديناميكية طارق صالح: التوازن الذكي والشراكة لا التصادم
واستعرض الخليدي حنكة قائد المقاومة الوطنية في إدارة علاقاته الإقليمية والدولية؛ حيث حافظ على خطوط دبلوماسية وميدانية متوازنة ومتينة مع كل من الرياض وأبوظبي والمجتمع الدولي. وانطلق طارق صالح في ذلك من قناعة راسخة ومبدأ جيوسياسي ثابت يؤكد أن مصلحة اليمن العليا وإنقاذه من السقوط الكامل في الفلك الإيراني، تكمن في بناء "جسور شراكة وتكامل" مع المحيط العربي الحاضن لليمن، وليس في افتعال الأزمات وصناعة العداوات المجانية مع دول الجوار.
٤. المفارقة الكبرى: التمكين الحزبي مقابل المشروع الوطني
وفي مقارنة لاذعة تلخص الفارق الجوهري بين النمطين، بيّن الخليدي أن طريقة إدارة التحالفات كشفت عورات "منطق الجماعة" أمام "منطق الدولة":
• منطق الجماعة (الإخوان): يتعامل مع التحالفات الإقليمية كـ"تكتيك مؤقت" وفرصة نفعية للتمكين الحزبي، والسيطرة الإدارية، وإعادة التموضع السياسي، حتى لو كان ذلك على حساب استنزاف الحلفاء أو الصدام معهم.
• منطق الدولة (طارق صالح): يتحرك على أرضية صلبة مفادها أن أي مشروع وطني يمني محكوم عليه بالفشل المحتوم إذا دخل في صدام مع عمقه العربي، أو تحول إلى عبء يستنزف داعميه الإقليميين.
خلاصة واستنتاج
واختتم الخليدي تحليله بالتأكيد على أن المعادلة بالنسبة للمملكة العربية السعودية تجاوزت منذ زمن فكرة "المفاضلة بين شخوص أو أسماء سياسية"، بل باتت مفاضلة وجودية بين نمطين وثقافتين: نمط يفهم أبجديات السياسة الدولية ويحترم كينونة الدولة ومعنى التحالفات الاستراتيجية، ونمط آخر لا يرى في الدولة إلا غنيمة، ولا في الحلفاء إلا وسيلة مؤقتة لخدمة التنظيم.

