صنعاء في قبضة "الارتياب" | رعب التصفية والخيانات.. استنفار بالعاصمة والحوثي يخفي القيادات ويلغي الظهور العلني لهولاء
في مؤشر يعكس حجم الهلع والارتباك المطبق على مراكز القرار داخل بنية جماعة الحوثي الإرهابية، فرضت المليشيا نمطاً أمنياً شديد الانغلاق والسرية لإدارة مناطق سيطرتها شمالي اليمن. وجاء هذا التحول الجذري مدفوعاً بمخاوف متصاعدة من اختراقات استخباراتية عميقة واستهدافات جوية دقيقة باتت تطوق قيادات الصف الأول والثاني على حد سواء.
ونقل موقع "إرم نيوز" عن مصادر أمنية مطلعة، أن المليشيا المدعومة من إيران وسعت مؤخراً دائرة الاحترازات الأمنية المشددة، لتشمل معظم وزراء ومسؤولي حكومتها الانقلابية (غير المعترف بها)، بعد أن كانت هذه الإجراءات الاستثنائية مقتصرة في السابق على "الدائرة العقائدية والعسكرية الضيقة" لزعيم الجماعة.
أولاً: الاحترازات الجديدة.. عزل القيادات والعودة للوسائل البدائية
شملت حزمة الطوارئ الأمنية غير المسبوقة التي فرضها جهاز "أمن الثورة" الحوثي عدة مسارات إقصائية وتأمينية:
• تخفٍّ متواصل: إلزام القيادات المؤثرة بتغيير مواقع إقامتهم ونقاط اختبائهم بشكل دوري ومتكرر بين صنعاء وصعدة.
• تطهير الطواقم: الاستبدال الدوري والمفاجئ لفرق الحراسة والمرافقين، نتيجة شكوك عارمة باختراق أجهزة استخبارات خارجية لتلك الطواقم.
• حظر الظهور: صدور توجيهات صارمة تمنع الوزراء والمسؤولين من أي ظهور علني أو تدشين أنشطة عامة، إلا في حدود ضيقة تخضع لرقابة أمنية معقدة.
• العزل الرقمي: فرض قيود حديدية على استخدام الهواتف الذكية ووسائل الاتصال الحديثة، والعودة القسرية إلى وسائل الاتصال البدائية والتقليدية لتجنب الرصد والتتبع الإلكتروني.
ثانياً: "أحمد حامد" يقود حكومة موازية من خلف الستار
على الصعيد الإداري، أفرزت حالة الذعر الأمني صعوداً مرعباً لنفوذ المدعو أحمد حامد (مدير مكتب رئيس ما يسمى بالمجلس السياسي الأعلى)، والذي بات يوصف بأنه "الرجل الأقوى" إدارياً بحكم قربه من عبدالملك الحوثي.
شبكة وكلاء العقيدة:
كشفت المصادر أن حامد نجح في تشكيل شبكة معقدة وموازية من وكلاء الوزارات المحسوبين على التيار العقائدي (المتطرف) للجماعة، ومنحهم صلاحيات مطلقة لإدارة مؤسسات الدولة وتجاوز الأطر الرسمية للوزراء، حيث يتم تمرير التعليمات عبر قنوات أمنية مغلقة يشرف عليها "أمن الثورة"، ما أدى إلى شلل تام في الأداء الخدمي وتعميق فجوات التواصل داخل هرم السلطة الحوثية.
ثالثاً: ضربة أغسطس.. نقطة التحول الفارقة
يرى مراقبون أن الصدمة الارتدادية الأكبر التي هزت عنجهية المليشيا، تمثلت في الضربة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت اجتماعاً سرياً رفيع المستوى لحكومة الحوثيين في صنعاء خلال أغسطس الماضي.
تلك الضربة لم تسفر فقط عن مقتل رئيس الحكومة السابق وعدد من الوزراء، بل عرت تماماً هشاشة المنظومة الأمنية الحوثية، وأثبتت قدرة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية على اختراق الجدران السميكة للجماعة. ونتيجة لهذا الرعب المستمر، تعثرت المليشيا حتى اليوم في تعيين بدلاء للمسؤولين الصرعى خوفاً من تحول أي اجتماع إعلان حكومي جديد إلى مقتلة جماعية أخرى.
رابعاً: قراءة تحليلية.. الارتداد إلى البنية الأصلية لـ "العصابة"
وفي هذا السياق، قال الخبير الأمني عاصم المجاهد إن ما يحدث حالياً “ليس تحولاً جذرياً بقدر ما هو عودة إلى البنية الأصلية التي نشأت عليها الجماعة”، موضحاً أن الحوثيين كانوا تاريخياً تنظيماً مغلقاً يعتمد على السرية وإخفاء القيادات الحساسة والعمل ضمن دوائر ضيقة.
وأضاف المجاهد أن الجماعة، بعد سيطرتها على صنعاء عام 2014، حاولت تقديم نفسها كسلطة أمر واقع تدير مؤسسات دولة بشكل علني، ما دفعها إلى توسيع حضور قياداتها في المشهد العام، لكن الضربات الأخيرة أعادتها إلى نمطها الأمني التقليدي بصورة أكثر تشدداً.
وأشار إلى أن الحوثيين باتوا يديرون الملفات الحساسة من خلف طبقات معقدة من الحماية والتعتيم الأمني، في محاولة لتقليل فرص الرصد والاستهداف، وهو ما يعكس حجم القلق من تحوّل أي تحرك أو ظهور علني إلى هدف مباشر.
ويرى المجاهد أن هذا الأسلوب يمنح الجماعة قدرة أكبر على حماية قياداتها وتقليل خسائرها على المدى القصير، لكنه يخلق في المقابل أزمة أعمق تتعلق بالتناقض بين متطلبات الأمن ومتطلبات إدارة الدولة.
وأوضح أن “الدولة تحتاج إلى حضور إداري واضح وتواصل مباشر مع المجتمع، بينما تقوم التنظيمات العقائدية المغلقة على السرية والشك وإدارة السلطة عبر دوائر ضيقة”، محذراً من أن توسع هذا النمط سيدفع الحوثيين نحو مزيد من الانغلاق والتشدد، حتى وإن عزز قبضتهم الأمنية داخل مناطق سيطرتهم.
وختم بالقول إن الجماعة تبدو اليوم أقرب إلى “سلطة ظل” تركز على حماية بنيتها الأمنية أكثر من اهتمامها بإدارة المجال العام، في تحول يكشف عمق الأزمة التي تعيشها تحت ضغط الاستهدافات والاختراقات المتزايدة.

