تعود للواجهة | "لعنة ملوك اليمن" أم إهمال علمي؟.. وفيات غامضة تلتهم علماء الآثار وسط نزيف لتهريب التراث
صنعاء | تقرير خاص
أعادت سلسلة وفيات متلاحقة وغامضة طالت عدداً كبيراً من أبرز علماء الآثار والباحثين في اليمن خلال السنوات الأخيرة، الجدل مجدداً حول المخاطر القاتلة والخفية التي تحيط بالعمل التنقيبي. وأثارت هذه الظاهرة المتكررة تساؤلات ومخاوف واسعة في الأوساط الأكاديمية والثقافية حول الأسباب الحقيقية وراء رحيل هؤلاء العلماء في ظروف وصفت بالملتبسة.
حاصد الأرواح في جامعة صنعاء: أكثر من 20 ضحية
كشفت إفادات أكاديمية صادمة عن وفاة أكثر من 20 عالماً وباحثاً من المنتسبين إلى جامعة صنعاء وحدهم خلال الأعوام الماضية. هذا الرحيل الجماعي دفع الأستاذة الدكتورة عميدة شعلان إلى إثارة هذا الملف الحساس مراراً، واصفة ما يحدث بـ "لعنة ملوك اليمن"، لاسيما بعد الفاجعة التي هزت الوسط الأكاديمي برحيل عالم الآثار اليمني البارز البروفيسور عبد الحكيم شايف، رئيس قسم الآثار والسياحة بجامعة صنعاء.
التفسير العلمي: سموم وبكتيريا خاملة منذ آلاف السنين
بعيداً عن الأساطير، يضع المتخصصون هذه الوفيات تحت مجهر التفسير العلمي الطبي؛ إذ يوضح الدكتور خالد العنسي أن بيئة العمل الأثري تنطوي على مخابئ بيولوجية شديدة الخطورة، وتتمثل في:
• الفطريات القاتلة: القبور والمواقع المغلقة منذ آلاف السنين تحتوي على غبار محمّل ببكتيريا خاملة وفطريات سامة تؤدي إلى حمى حادة، وتدمير رئوي مزمن، وتسمم دموي سريع.
• كيمياء التحنيط المحظورة: استنشاق المواد الكيميائية المركبة المستخدمة في تحنيط المومياوات القديمة، ولو لمرة واحدة، كفيل بإحداث أضرار جسيمة وغير رجعية في الجهاز التنفسي.
• مخطوطات الموت البطيء: التعامل مع المخطوطات القديمة المتعفنة ينطوي على خطر التسمم بالمعادن الثقيلة؛ حيث تحتوي أحبارها القديمة على عناصر شديدة السُمّية مثل الزرنيخ، الزئبق، والرصاص، وهي مواد تضرب الكبد والجهاز العصبي بشكل بطيق ومميت.
السبب الحقيقي: يجمع خبراء على أن المسألة ليست "لعنة ملوك"، بل هي نتاج الانهيار الكامل لمعايير السلامة المهنية، غياب أدوات الوقاية والكمامات الخاصة، وانعدام التأمين الصحي والفحوصات الدورية، فضلاً عن غياب الوسائل الحديثة والآمنة للتعامل مع المومياوات والمواد العضوية.
بالتزامن مع رحيل علمائه.. تراث اليمن يُباع في مزادات لندن
وفي الوقت الذي يواجه فيه علماء الآثار الموت في الداخل، يواجه الإرث الحضاري اليمني مجزرة من نوع آخر تتمثل في نشاط غير مسبوق لعصابات التهريب الدولية.
حيث كشفت مصادر مهتمة بالآثار أن المعالم اليمنية النادرة تواصل النزيف نحو الأسواق العالمية؛ ومن المقرر أن يشهد مزاد علني تنظمه دار "Apollo Art Auctions" في العاصمة البريطانية لندن يوم 21 يونيو المقبل، عرض (7) قطع أثرية يمنية فريدة وضعت قسراً ضمن ما يسمى "مجموعة الأمير للفنون والتحف القديمة".
تأتي هذه الحادثة لتدق ناقوس الخطر الأخير حول مصير الهوية التاريخية لليمن، والتي باتت نهباً للمزادات العالمية في ظل غياب الحماية والرقابة الرسمية، وموت حراس هذا التاريخ خلف جدران المقابر المنسية.

