في اليمن | أسواق بلا بهجة وجيوب خاوية.. كيف حوّلت مقصلة الجبايات الحوثية عيد الأضحى إلى "مأتم معيشي" يؤرق اليمنيين؟
صنعاء | تحقيق استقصائي خاص:
مع اقتراب شعيرة عيد الأضحى المبارك لعام 2026، تبدو الأجواء في المدن اليمنية الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية غريبة تماماً عن هوية الأعياد التي ألفها اليمنيون لعقود. الأسواق والأزقة العريقة، التي كانت تضج بالحياة والحركة الشرائية، غشاها هذا العام ركود غير مسبوق، وباتت ملامحها مثقلة بوجوه مرهقة وجيوب خاوية، ليتراجع "الفرح" وتتقدم "الخيبة" في ظل أسوأ أزمة معيشية تضرب البلاد.
لقد تحول العيد في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت قبضة الجماعة من موسم للتكافل والتراحم، إلى عبء نفسي واقتصادي ثقيل يطارد ملايين السكان، بعد أن أحالت المليشيا شظف العيش إلى واقع يومي عبر سلاح تجويع ممنهج، يزاوج بين قطع المرتبات وفرض الجبايات الحوثية المتواصلة.
صدمة الأسواق: حركة البيع الأضعف ومظاهر الفرح المؤجلة
في جولة ميدانية بأسواق صنعاء، تبدو المفارقة صارخة؛ البضائع متكدسة على الأرصفة وفي واجهات المتاجر، لكن المتسوقين "موجات من العابرين" الذين يكتفون بالنظر والسؤال عن الأسعار ثم المغادرة بجرعات مضاعفة من الانكسار.
• قطاع الملابس: يؤكد أحد الباعة في شارع "هائل" التجاري الشهير بصنعاء أن حركة البيع هذا العام هي الأضعف على الإطلاق، مشيراً إلى أن القدرة الشرائية تلاشت بشكل شبه كامل.
• بورصة الأضاحي: في أسواق الماشية، سجلت الأسعار قفزات جنونية مدفوعة بارتفاع كلفة الأعلاف وأجور النقل الناتجة عن أزمة الوقود المفتعلة، فضلاً عن الإتاوات والجبايات المباشرة التي يفرضها الحوثيون على مربي وتجار المواشي، مما دفع آلاف الأسر إلى العزوف عن الشراء، أو اللجوء إلى "خيار الاشتراك الجماعي" (السبع) في أضحية واحدة بين عدة عائلات.
شهادات من قاع المعاناة: نصف راتب وكسوة لطفلين من أصل خمسة
بين جدران العاصمة المختطفة، تتشابه قصص القهر الإنساني وإن اختلفت الأسماء:
أمين. ع (موظف حكومي يعول 5 أبناء): يقف أمين حائراً في أحد الأسواق الشعبية بصنعاء القديمة، محاولاً التوفيق بين قائمة متطلبات العيد وبين فتات "نصف الراتب" الذي تمنّ به سلطات الحوثيين على الموظفين كل ثلاثة أو أربعة أشهر. يقول بصوت مخنوق بالوجع: "اضطررت هذا العام لشراء ملابس جديدة لطفلين فقط من أصل خمسة، وحرمت البقية. كل شيء ارتفع سعره جنونياً، والأضحية أصبحت حِلماً بعيد المنال. أكبر همّنا اليوم هو تأمين الدقيق والسكر للبقاء على قيد الحياة".
أم خالد (أرملة تعول 3 أطفال في منطقة حزيز): تقطن في شقة بالإيجار، وقررت هذا العام الاستغناء عن الأضحية للمرة الثالثة على التوالي تجنباً للوقوع في مصيدة الديون المعتمة. تقول: "أطفالي ينتظرون العيد بفرح طفولي بريء، وأنا أستقبل الأيام بخوف وقلق؛ أخشى أن يمر العيد دون أن أستطيع إدخال السرور إلى قلوبهم بملابس جديدة، أحاول أن أبتسم أمامهم وفي داخلي غصة لا يعلمها إلا الله".
عسكرة المناسبات ومؤسسة الجبايات
يرى مراقبون للشأن اليمني أن الأزمة لم تعد مجرد تداعيات حرب تقليدية، بل هي نتاج "مأسسة للجباية والنهب" تمارسها قيادات حوثية نافذة تستغل المواسم الدينية لإثراء قياداتها وتمويل جبهاتها؛ بدءاً من إلزام عقال الحارات بجمع مواشٍ قسراً من الأهالي تحت مسمى "دعم الجبهات"، وصولاً إلى فرض رسوم باهظة في أسواق الماشية (كالسحول والعدين والعشة)، مما أدى لإنتاج واقع اقتصادي مشلول يركز فيه المواطن على الغذاء الأساسي فقط مستغنياً عن كافة مظاهر العيد.
بالأرقام: شبح المجاعة يلتهم الطفولة في مناطق الحوثيين
هذا الانسداد المعيشي الكامل انعكس بصورة مرعبة على المؤشرات الصحية والإنسانية، حيث حذرت التقارير الدولية الصادرة لعام 2026 من تدهور غذائي حاد يهدد بوقوع كارثة شاملة:
وفي السياق ذاته، كشفت منظمة «أطباء بلا حدود» عن مؤشرات فادحة في عمق مناطق السيطرة الحوثية، مؤكدة أن مستشفى السلام بمديرية خمر (محافظة عمران) استقبل 599 حالة سوء تغذية حاد وخيم بين الأطفال خلال الأشهر الأربعة الأولى فقط من العام الحالي (يناير - أبريل 2026)، مسجلاً قفزة مرعبة بلغت 48% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهي أدلة دامغة على أن سياسة التجويع بدأت تحصد الأرواح بصمت.
خلاصة:
يستقبل اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثي عيد الأضحى بقلوب مثقلة وأجساد نحلها الجوع؛ فالسياسات الاقتصادية القمعية للمليشيا نجحت في تجريد العيد من مضمونه الروحاني والاجتماعي، ليتحول من محطة للفرح وصلة الأرحام إلى "كابوس معيشي" يُعري زيف الشعارات، ويضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مجاعة حتمية تصنعها المليشيا في وضح النهار ضد شعب يصارع الظلام.

