في اليمن | بين الدولة والإمارة التنظيمية: تعز ومأرب.. "الثقوب السوداء" في جدار الأمن القومي اليمني والسعودي
يواجه اليمن اليوم مخاضاً وجودياً لا يقبل القسمة على اثنين، حيث يتجاوز الصراع مجرد المنافسة العسكرية المحلية ليدخل في جوهر معركة الهوية والمصير. وفي قلب هذا المشهد، تبرز جماعة الإخوان المسلمين ككيان موازٍ لا يسعى لمشاركة سياسية عادلة، بقدر ما يسعى لهيمنة شاملة تقوض مشروع "الدولة الوطنية" وتجعل من مدينتي تعز ومأرب ملاذاً آمناً لمشروع تنظيمي عابر للحدود، يمثل تهديداً مباشراً لاستقرار اليمن وعمقها العربي، وتحديداً المملكة العربية السعودية.
أولاً: صراع الهويات.. المقاومة الوطنية مقابل "جيش التنظيم"
تتجلى العدائية الإخوانية الممنهجة تجاه قوات الساحل الغربي (المقاومة الوطنية) بقيادة الفريق طارق صالح، كصراع بين رؤيتين متناقضتين:
• رؤية المقاومة الوطنية: التي تمثل امتداداً للتراث العسكري اليمني والاحترافية القتالية الهادفة لاستعادة السيادة الوطنية من قبضة الانقلاب الحوثي.
• رؤية الجماعة: التي ترى في وجود جيش وطني مهني عائقاً أمام طموحاتها في تحويل "الجيش" إلى أداة أيديولوجية، واستغلال مؤسسات الدولة لهندسة الوعي المجتمعي عبر السيطرة على التعليم وتوظيف المناصب لخدمة أجندة التنظيم لا الوطن.
ثانياً: تعز ومأرب.. "الجغرافيا المحرمة" على الدمج والسيادة
رغم التوجه الاستراتيجي الواضح للمملكة العربية السعودية ومجلس القيادة الرئاسي لدمج كافة التشكيلات المسلحة تحت مظلة وزارة الدفاع، تظل تعز ومأرب "خارج السيطرة الفعلية" لهذه الخطة، مما يخلق مخاطر استراتيجية كبرى:
1. الملاذ العسكري: تحولت هذه المناطق إلى قواعد خلفية للجماعة لإعادة تنظيم صفوفها، بعيداً عن الرقابة وبصمة العين وأنظمة التحقق الحديثة.
2. الاستنزاف المؤسسي: سيطرة الفصائل المرتبطة بالإخوان على الجبايات والموارد الاقتصادية والنفطية في هذه المناطق يحولها إلى "دولة موازية" تموّل نفسها ذاتياً وتستعصي على المحاسبة القانونية.
3. الاختراق الأمني: بقاء هذه الثغرات يمنح الجماعة القدرة على تهديد العمق السعودي عبر شبكات ولاء معقدة، وتحويل اليمن من جدار صد ضد التطرف إلى "جسر عبور" لمشاريع إقليمية (تركية-قطرية) تسعى للمناورة والابتزاز السياسي.
ثالثاً: "الاستثمار في الفوضى".. التكتيك الإخواني لتقويض الاستقرار
لا يكمن خطر الجماعة في أيديولوجيتها المعلنة فحسب، بل في قدرتها الفائقة على التمويه؛ فهي تتوزع بين أذرع دعوية، وقبلية، وعسكرية، وإدارية داخل هياكل الشرعية، مما يجعلها قادرة على:
• عرقلة العمليات العسكرية المشتركة ضد الحوثيين إذا لم تخدم مصالحها الحزبية.
• التحكم في تدفقات المال العام وحصره في شبكاتها التنظيمية.
• بناء ولاءات عابرة للحدود ترهن القرار اليمني السيادي لإملاءات القوى الإقليمية الداعمة لها.
رابعاً: المسؤولية السعودية.. وقت الحزم السياسي
إن الرياض، كقائدة للتحالف وضامنة للاستقرار الإقليمي، أمام مسؤولية تاريخية لمراجعة تحالفاتها في الداخل اليمني. فلم يعد مقبولاً التعاطي المزدوج مع فصيل يستغل مظلة الشرعية لتقويضها من الداخل. ويتطلب هذا المسار:
• فرض سيادة القانون: إلزام كافة القوات في تعز ومأرب بالاندماج الفعلي وغير المشروط في المؤسسة العسكرية، وتصفية العناصر المتطرفة.
• تجفيف المنابع: ربط الدعم السياسي والمالي بمدى التزام القوى الميدانية بنبذ الولاءات التنظيمية والامتثال لقيادة وزارة الدفاع.
• إغلاق الثغرات: منع تحول المرتفعات اليمنية المهمة إلى بؤر خارجة عن إطار هيكلة الدولة، لضمان حماية الأمن القومي اليمني والخليجي.
خاتمة: اليمن الجديد.. وطن لا "إمارة"
إن منع انهيار اليمن مجدداً يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تبدأ بنزع سلاح التشكيلات الموازية، وتوحيد القيادة العسكرية، وإصلاح المناهج التعليمية، وبناء اقتصاد قائم على الشفافية والحوكمة.
الرسالة واضحة: لا مكان للميليشيات، ولا مساحة آمنة لمن يرهن ولائه لتيارات عابرة للحدود. إن الطريق إلى اليمن القوي والموحد يمر عبر بوابة المؤسسات الوطنية، وأي تهاون في دمج قوات تعز ومأرب يعني منح التطرف "أوكسجين البقاء" لتهديد اليمن والمنطقة لعقود قادمة.
#اليمن #تعز #مأرب #السعودية #السيادة_الوطنية #المقاومة_الوطنية #لا_للميليشيات

