تابعنا

الحوكمة والفساد | عطش المدن اليمنية: "أكابس" يفضح الفشل الهيكلي في قطاع المياه.. وعدن خارج التغطية الرسمية بنسبة 60%

الحوكمة والفساد | عطش المدن اليمنية: "أكابس" يفضح الفشل الهيكلي في قطاع المياه.. وعدن خارج التغطية الرسمية بنسبة 60%

كشف تقرير حديث صادر عن مركز الدراسات الدولي "أكابس" (ACAPS) عن حقائق صادمة تتعلق بانهيار قطاع المياه في المحافظات اليمنية المحررة. ورسم التقرير صورة قاتمة للواقع الخدمي، مؤكداً أن الأزمة تتجاوز شحة الموارد لتصل إلى "سرطان" الفساد الإداري، وغياب الحوكمة، وارتهان الخدمات الأساسية للتجاذبات السياسية والعسكرية.

1. العاصمة عدن: "الظمأ" في مدينة البحار

رغم مرور عقد من الزمن على تحريرها، لا تزال عدن تعاني من تدهور مريع في إمدادات المياه، حيث يشير التقرير إلى أن ثلثي سكان العاصمة لا يحصلون على المياه عبر الشبكة العامة.

فجوة الإنتاج والطلب: تمتلك عدن 113 بئراً، يُشغل منها 90 بئراً فقط، وهي لا تنتج سوى 50% من الاحتياج السنوي (المقدر بـ 87.6 مليون متر مكعب).

عجز التغطية الجغرافية: شبكة المياه المهترئة لا تغطي سوى 69% من مساحة المدينة، مما يترك أحياء كاملة تحت رحمة "وايتات" المياه باهظة الثمن.

الانهيار المالي: كشف التقرير عن فضيحة مالية في مؤسسة المياه؛ حيث لا تتجاوز نسبة تحصيل الرسوم 20%، وهو ما أدى إلى عجز المؤسسة عن تغطية تكاليف التشغيل والصيانة.

الارتهان الجغرافي: حذر التقرير من أن اعتماد عدن على حقول آبار في محافظات مجاورة (لحج وأبين) يجعل أمنها المائي ورقة بيد القوى السياسية والنزاعات المناطقية.

2. تعز: المياه كـ "سلاح حرب" وابتزاز

في تعز، تتقاطع المأساة الإنسانية مع الاستغلال السياسي، حيث يسيطر الحوثيون على أكثر من نصف الآبار الاستراتيجية المغذية للمدينة، مما حول قطاع المياه إلى أداة للحصار.

هشاشة التدخلات الدولية: كشف التقرير أن تدخلات منظمة "اليونيسف" لرفع الإنتاج بـ 3 آلاف متر مكعب يومياً انهارت فوراً عقب "القرصنة الحوثية" لمكاتب المنظمة في صنعاء واعتقال موظفيها، مما يعكس خطورة ارتهان الخدمات الحيوية للمناطق المحررة بقرارات المنظمات التي تتخذ من صنعاء مقراً لها.

المقاومة المجتمعية والمخاوف السياسية: توقف مشروع حقل "طالوق" جنوب المدينة بسبب اعتراضات محلية ناتجة عن مخاوف من أجندات الممولين أو غياب العدالة في التوزيع، مما يعكس غياب الثقة بين السلطة والمجتمع.

3. ساحل حضرموت: شيخوخة البنية التحتية

في المكلا، لا توجد صراعات مسلحة على مصادر المياه، لكن "الفشل البيروقراطي" يقوم بنفس الدور التدميري:

خروج الآبار عن الخدمة: من أصل 175 بئراً في ساحل حضرموت، خرج 69 بئراً عن العمل بسبب تهالك المعدات وانخفاض المنسوب الجوفي.

الفشل المالي الذريع: سجلت المكلا أدنى نسبة تحصيل إيرادات في اليمن، حيث لم تتجاوز 11.3%، وهو رقم يعكس شللاً تاماً في الإدارة المالية للمؤسسة.

4. سيئون: "الاستثناء الوحيد" ونموذج النجاح

قدم التقرير مدينة سيئون بوصفها "بقعة الضوء" الوحيدة في المشهد القاتم، مرجعاً نجاحها إلى استقرار الحوكمة والمشاركة المجتمعية:

كفاءة التشغيل: نجحت سيئون في تحديث 70% من شبكتها بأنابيب حديثة، واعتمدت بشكل كبير على الطاقة الشمسية لتقليل كلفة الوقود.

الانضباط المالي: حققت المدينة رقماً قياسياً في تحصيل الرسوم وصل إلى 90%، مما مكن المؤسسة من الاستدامة الذاتية دون انتظار المساعدات الحكومية المتعثرة.

تحدي "الفاقد": رغم النجاح، لا تزال المدينة تعاني من فاقد يصل إلى 40% بسبب الربط العشوائي، وهو تحدٍ يواجه التوسع العمراني السريع.

الخلاصة والتوصيات: تشخيص "المرض" الهيكلي

يخلص تقرير "أكابس" إلى أن الأزمة في اليمن ليست في "توفر المياه" بقدر ما هي في "إدارة المياه".

أبرز أسباب الفشل كما حددها التقرير:

1- تشظي السلطة: التنازع بين الأطراف الحكومية قبل تشكيل مجلس القيادة الرئاسي أدى إلى ضياع المساعدات وسوء إدارة الوقود.

2- انهيار نظام "استرداد التكاليف": عدم القدرة على تحصيل الفواتير حول مؤسسات المياه إلى جثث هامدة تعيش على المنح.

3- التعرفة غير الواقعية: الرسوم الحالية لا تغطي كلفة الإنتاج الفعلية، مما يمنع أي استثمار في الصيانة أو التوسع.

رسالة التقرير الأخيرة: إن الاستمرار في الحلول الترقيعية والاعتماد على البنية التحتية المتهالكة منذ السبعينيات والثمانينيات سيؤدي حتماً إلى جفاف المدن الرئيسية، ما لم يتم إجراء إصلاحات هيكلية تقتلع جذور الفساد وتوحد القرار المؤسسي.